دراسة لبنانية عن الشاعر الفرنسي... "رامبو" للناقد سمير الحاج شاهين

8 دقائق للقراءة
لوحة لـ Henri Fantin-Latour تُظهر أدباء وفنانين، بينهم رامبو (الثاني من اليسار، جلوسًا)

صدر عن "دار سائر المشرق" طبعة جديدة من الدراسة المميّزة للناقد اللبناني سمير الحاج شاهين حول الشاعر الفرنسي آرثر رامبو (Arthur Rimbaud)، في إطار إعادة إحياء مؤلفاته وتقديم نصوصه للأجيال الجديدة. ويتميّز الحاج شاهين بمنهج نقدي دقيق وقراءات متبصّرة للنصوص الأدبية، جعلته من أبرز النقاد اللبنانيين المعاصرين والأصوات الفكرية المميّزة في الثقافة العربية. وتأتي إعادة نشر أعماله وفاء لإرثه الثقافي وتكريمًا لذكراه.

أما رامبو، فيُعد من أكثر الشعراء تأثيرًا في الأدب العالمي والشعر العربي الحديث، وقد ألهم شعراء وفنانين بارزين، بينهم أدونيس، ومحمود درويش، وأنسي الحاج، وبدر شاكر السياب، وبوب ديلان، وباتي سميث، وجيم موريسون. هذا فصل من الكتاب، تنشره لكم "نداء الوطن".

هل مارس رامبو الحب مع النساء؟ هل عشق الفتيات حقًا؟ أم أنه تعلّق بهن لما كان ينسج حولهن من قصص خيالية ومغامرات وهمية؟ لقد حلم، مثلا، أن يسافر، شتاء، في قطار فخم، هو وحبيبته يتعانقان في مقصورة مريحة ويتناجيان طوال الرحلة، تنام صاحبته على ذراعه و "تغمض عينيها كي لا ترى الواقع، وأشباح الظلام في الخارج، أي من مخاوف وبشاعات الحياة". ولسوف يجرح لها خدها من عنف قبلاته. ولسوف يلثمها على عينها. عندئذ تظن أن حشرة قد عقصتها وتغلغلت بين ثيابها، فيروحان يبحثان عن هذه البقّة المزعومة في جميع أنحاء جسمها.

فهل هذه الخواطر مجرد تمنيات عذبة تداعب قلبه؟ وهل هي مجرد سراب أيضًا تلك المغامرة التي يرويها لنا في "السهرة الأولى"، إحدى قصائده الباكرة، وتلك الفتاة شبه العارية الجالسة على كرسيه، والتي راح يقبّل أقدامها، ثم عينيها، ثم صدرها، وهي تضحك وتتمنّع بغنج ودلال ممزوجَين بالإباحية والإغراء؟

هل هي حورية من صنع الوهم تلك الحسناء التي ينطلق معها في شعاب الوادي ذات صباح مشرق، ترتعش فيه الغابة الصافية التي يبدو أن الحب يقطر من أطرافها، حتى ليخيّل للشاعر، مع كل رعشة غصن، أن هناك أجسادًا عارية تهتز، وأن رفيقته التي تعشق الريف، لتتمرمغ على العشب، ساهمة نحو الأفق بعينيها الجميلتين، وتركض في أرجاء الطبيعة، زارعة ضحكتها المجنونة في كل الأرجاء، مبتسمة له، هو الضائع في سكرة وحشية، فيشدّها إليه محاولا إغراءها ومعانقتها، وتحسّس نضارة بشرتها التي تقبّلها الريح كاللص؟

وإذ تستسلم بين يديه كالميتة، بقلب عامر بالنشوة، مرتعشة مطبقة جفنيها، يحملها بين ذراعيه، ويسير بها في الدروب المليئة بزقزقات العصافير. ولسوف يحادثها واضعًا فمه على فمها، معتصرًا جسدها. وفي المساء، سينهجان طريق العودة المضمّخة بأريج البساتين والحدائق. وسيصلان إلى القرية فيما تكون العتمة قد أخذت تهبط عليها، ورائحة الحليب والإسطبلات قد راحت تفوح من هوائها الناعم.

وهناك سيجدان امرأة عجوزًا تقرأ في كتاب الصلاة، ورجالا عادوا من أعمال الحقول يشربون الجعة، مدخّنين غلايينهم، أو متناولين عشاءهم وراء أبواب تتراءى من خلالها التخوت والخزائن تحت أضواء القناديل الخافتة. فيما تزجر أم ابنها وتغزل جدّة قرب النار. وكم وكم من مشاهد ستتجلّى لهما من خلال أشعة النور على زجاج هذه الأكواخ. وكم من أسرار عجيبة سيتلصصان عليها عبر نافذة غارقة بين الورود... لكن هل هذه المباهج كلها مجرد أحلام لم تتح لها الحياة الواقعية فرصة تحقيقها؟

على كل حال، نجد رامبو في إحدى قصائده "أغنية من أعلى برج" يتحسّر على أيام الصبا، حين كانت عواطفه متأجّجة ودمه حارًا، حين كان مهيّأ لممارسة الحب؛ لكنه كان من الخجل والجبن بحيث كبت جميع رغباته الجنسية وحرم نفسه من المتعة، وخنق في صدره كل وعود السعادة، فلم يعرف سوى مرارة الوحدة. لقد ضاعت منه تلك الأيام وما قدّمته له من دعوات إلى الهوى. إذ إنه كان عبدًا لأحكام الغير ونظرتهم، وللضوابط الاجتماعية والزواجر والموانع الخلقية.

وهو يتوق الآن إلى معرفة الحب وتذوّق ثماره المسكرة، وحلول العهد الذي تتعانق فيه القلوب وتخفق بعواطف الوحدة المقدّسة. لقد عانى من الكبت والحرمان بما فيه الكفاية، والضغط يولّد الانفجار. لقد انتظر طويلا، وها هو نافد الصبر. لقد جاع كثيرًا، وها هو عاجز عن المزيد من المقاومة والإعراض عن الصحاف الشهية المبسوطة أمامه. إنه ينسى كل الاعتبارات. وإذ تتبخّر القيود والقيم والنواهي والمخاوف والآلام في الهواء، يضجّ العطش إلى الغرام في دمه، وتجري الشهوات الدنسة في عروقه.

إنه أشبه بمرجة خضراء أُهملت طويلا، وها إنها تنمو مكلّلة بالندى، وتزهر مضمّخة بالشذا، مما يجذب نحوها الذباب والهوام والمجنّحات القذرة التي تروح تحوم حولها. إن روحه المسكينة التي عانت من كل هذه الوحدة والوحشة والحرمان ليس لها من القداسة سوى صورتها ومظهرها الخارجي. كما أن وجهه لا يحمل من البراءة سوى قناعها الكاذب.

وفي "صحارى الحب"، يصوّر لنا رامبو نفسه على شكل فتى يافع، متشرّد، محروم من عطف وحنان الأم، غريب في وطنه، رافض لمجمل العقلية السائدة حوله، متمرّد على كافة القوانين الخلقية، ككثير غيره من الشباب الجامح، متضايق من الحياة، سئم تكاليفها، توّاق إلى الموت.

وبما أنه لم يحب النساء رغم حرارة دمائه، فإنه اضطر إلى تصريف طاقته الجنسية وقوته العشقية في غير الاتجاه السليم، وإلى ارتكاب حماقات غريبة وأخطاء مشؤومة. وهو سيصف لنا اثنين من الأحلام الشبقية التي أبصرها ليخلص إلى بعض الاستنتاجات الفلسفية والعظات والعبر، وليبرهن على أن الدين المسيحي، باحتقاره للجسد وبمحاذيره ومعاييره حول الخطيئة والعقاب، قد شوّه مفهوم الحب، وساهم في خلق العقد الجنسية، التي يعيش أبناء الديانات الأخرى براء منها، فيشبعون رغبتهم الطبيعية وغريزتهم الشهوانية بصورة شرعية طاهرة، خالية من الشعور بالإثم والذنب.

أما هذا الحرمان من الغرام، فله عواقب وخيمة، ولا يسعنا إلا أن نتمنى للنفس التائهة التي تعاني منه أن تجد تعزية ما، وتعويضًا من العطف والحنان يساعدها على تحمّل الحياة. وسنعرض لهذين الحلمين اللذين يصوّرهما رامبو بشيء من التفصيل:

إنه يرى، في أولهما، نفس الريف الذي سبق له أن أبصره مرارًا في أحلامه. منزل أهله القروي إياه، نفس الصالة المنقوش فوق أبوابها مناظر رعوية، وأسود، وأسلحة صدئة مزنجرة. توجد غرفة للطعام فيها شموع وخمور وأثاث من الخشب الفلاحي المحفور ومائدة كبيرة جدًا. كما توجد هناك الكثير من الخادمات، بالإضافة إلى كاهن من رفاق المدرسة القدامى لا يزال يذكر غرفته الحمراء ذات الزجاج المغطى بالورق الأصفر، والكتب المحظورة التي كان يملكها.

لقد كان رامبو مهجورًا في هذا المنزل الريفي الواسع، حيث كان يقرأ في المطبخ، ويجفّف ثيابه المبلّلة بالمطر والوحل أمام الضيوف الذين يتجاذبون أطراف الحديث في قاعة الاستقبال، حسّاسًا لجمال ساعات النهار، متأثّرًا حتى الدموع لشاعرية لحظة الفجر أو المساء.

وها هو في غرفة معتمة لا يدري ماذا جاء يفعل فيها. وها إن خادمة تقترب منه: إنها تستكين عند قدميه بتواضع وذلّ الكلبة، مع أنها حسناء تنضح بذلك النبل والعطف والحنان الأمومي الذي هو في أمسّ الحاجة إليه. إنها بريئة وطاهرة، إنها أمينة وأليفة، يطمئن إليها ويرتاح إلى حضورها المؤنس، وينسحر بفتنتها وجاذبيتها الطاغية.

إنها تقرصه في ذراعه؛ لكنه لم يعد يتذكّر وجهها ولا معصمها الذي كان يدعك جلده بإصبعه، ولا فمها الذي كان يعتصره بشفاهه كموجة صغيرة يائسة تعلق بأي برّ نجاة، وتستهلك شيئًا ما من دون توقّف، ممتصّة رحيقه. جلّ ما يعرفه أنه أوقفها في زاوية مظلمة في سلّة مليئة بالمساند وأشرعة السفن. ثم غفل عن كل شيء آخر ما عدا سروالها المخرّم.

وفجأة، فإذا بإطار الحلم يتغيّر، ليأسه الشديد، وينتقل به من دون سابق إنذار من حالة العشق وجو ممارسة الحب إلى مناخ قاتم: ظلال أشجار معتمة، ورماد وجدّ مكبوت، وحاجة ملحّة إلى الحب، وجوع مؤلم إلى الوطن والحنان، ونار من الشوق والرغبة يلتهم بها المحروم نفسه لانعدام شريك يمنعه من أن يكون وحيدًا في ظلام الليل.

أما الحلم الثاني، فهو يتعلّق بامرأة أخرى قابلها في المدينة وحادثها. وها هم يخبرونه أنها جاءت إلى عقر داره بغية الاجتماع به. وها هو يراها في سريره مستسلمة له في العتمة. ولقد تأثّر وانفعل كثيرًا، ولا سيّما أنه في المنزل الأبوي. ولقد حزن لأنه أمام إمكانية إشباع رغبته الجنسية أخيرًا. لكن هناك زواجر وموانع واعتبارات عائلية وخلقية تأتي لتمنعه من ذلك.

ومما يزيد في حسرته أنه يرتدي الأسمال، بينما شريكته سيدة مجتمع أرستقراطية، أنيقة، مترفّعة، تشعره بنقصه. لكنه يصاب بخيبة أمل كبيرة وأسى عميق عندما يعلم أن الحسناء قد تهجره لأنها مضطرّة إلى الذهاب. لذلك يتشبّث بها، فتقع من السرير عارية، ويهوي هو فوقها وقد بلغ ذروة الضعف والخوف من أن تفلت من يديه، وراح يتجرجر معها فوق سجّاد الغرفة المعتمة.

فيما كانت الأضواء العائلية تشعّ من القاعات المجاورة وتلقي أشعتها الفضّاحة على هذا المشهد الغرامي المشين في نظرها، الذي تشجبه وتحظّره. إلى أن اختفت المرأة، وأخذ رامبو ينتحب بشدّة لحرمانه من فرصة الحب النادرة هذه التي أتيحت له أخيرًا.

غلاف الكتاب