في اللغة اليونانية، تعني كلمة العفو العام (Amnistie) «النسيان»، أي حرفياً عدم التذكّر. ويحمل هذا المعنى دلالة عميقة على الوظيفة التي ارتبط بها العفو العام تاريخياً: طيّ صفحة من الماضي والتجاوز عن أفعال ارتُكبت في ظروف استثنائية وفي حقبة زمنية معيّنة، عندما يصبح استمرار الملاحقة أو العقاب أقل ملاءمة للمصلحة العامة من وضع حد له. ولهذا ارتبط العفو العام، في العديد من التجارب، بالتهدئة والمصالحة وإعادة السلم الاجتماعي.
أما في المفهوم القانوني الحديث، فالعفو العام هو تدبير تشريعي ينزع، في الحدود التي يحددها القانون، عن أفعال معينة آثارها الجزائية، من دون أن يعني ذلك إنكار وقوعها أو محوها من التاريخ. وفي النظام الدستوري اللبناني، يختلف العفو العام عن العفو الخاص من حيث مصدر كل منهما: فالعفو العام لا يكون إلا بقانون يصدر عن مجلس النواب، في حين أن العفو الخاص هو من صلاحيات رئيس الجمهورية.
لكن الاعتراف الدستوري بالعفو العام لا يعني أنه أصبح وسيلة عادية لإدارة السياسة الجزائية. فهو، في غايته الأصلية، استثناء تشريعي تبرره ظروف استثنائية ومصلحة عامة واضحة. ولهذا الاستثناء حدود: فلا ينبغي أن يكون العفو مفتوحاً، لا زمنياً ولا مادياً، بحيث يشمل أفعالاً وجرائم من دون ضوابط ورابط موضوعي واضح، ولا أن يتحول إلى أداة للمحاصصة السياسية أو الطائفية أو المذهبية، أو إلى وسيلة لحماية المناصرين والمحسوبين على القوى السياسية من المسؤولية عن جرائم خطيرة تهدد أمن المجتمع والأفراد.
ويصبح الأمر أكثر حساسية عندما يتعلق العفو بجرائم لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم، وفي مقدمتها الاغتيالات السياسية وتفجير مرفأ بيروت وقتل العسكريين، حيث لا يمكن اعتبار مرور فترة من الزمن سبباً كافياً لطي صفحة جريمة لم تُكشف حقيقتها ولم تُحسم مسؤولياتها بعد.
ومن هذه الزاوية تبرز أهمية قانون العفو العام الذي أقره مجلس النواب اللبناني في 12 آب 2026، بعد تجاذبات سياسية وقانونية استمرت أشهراً حول الجرائم والفئات التي ينبغي أن يشملها. فالقانون لم يقتصر على منح العفو، وإنما تناول أيضاً استبدال بعض العقوبات وتخفيض أخرى، وعدّل قواعد تتعلق بتعدد الجرائم والعقوبات.
وقد جاء ذلك في سياق أزمة مزمنة تتمثل في اكتظاظ السجون، وطول أمد التوقيف الاحتياطي، وتأخر المحاكمات، والإضرابات القضائية، ومشكلات التعيينات والموارد. وهي كلها مشكلات حقيقية، لكن علاجها يفترض إصلاح القضاء والسجون وتسريع المحاكمات، لا تحويل قوانين العفو إلى حل متكرر كلما عجزت الدولة عن إصلاح مؤسساتها.
ومن هنا لا تكمن المسألة في رفض العفو العام كمؤسسة قانونية؛ فالدستور اعترف به صراحة. وإنما في حدود استعماله والغاية التي يقف وراءه والآثار التي يرتبها.
فهل يحافظ قانون العفو العام الذي أقرّه المجلس النيابي بتاريخ 12 آب 2026 على الوظيفة الاستثنائية للعفو بوصفه وسيلة للتهدئة والمصالحة ومعالجة أوضاع محددة؟ أم أنه يتجاوز هذه الوظيفة ليصبح أداة أوسع لإعادة ترتيب المسؤولية والعقوبة، بما قد يمسّ المحاسبة وحقوق الضحايا ومبدأ عدم الإفلات من العقاب؟
هذا هو السؤال المحوري الذي تطرحه قراءة القانون مادةً مادة.
أولاً – نطاق العفو: اتساع زمني واستثناءات تثير الأسئلة
تنص المادة الأولى من هذا القانون على منح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل الأول من آذار 2026، أياً كان وصف المساهم في ارتكابها، سواء كان فاعلاً أو شريكاً أو متدخلاً أو محرّضاً أو مخبّئاً. كما يرتب النص سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات والتدابير الاحترازية، وإسقاط الملاحقات والأحكام والقرارات، سواء كانت وجاهية أو غيابية أو بمثابة الوجاهية.
ولا تكمن الإشكالية في تحديد تاريخ الأول من آذار 2026 بحد ذاته، وإنما في أن النص لا يحدد بداية زمنية للفترة التي يشملها العفو. فهو يشمل، من حيث المبدأ، كل جريمة ارتكبت قبل هذا التاريخ، مهما كان تاريخ ارتكابها.
وقد يبدو ذلك مجرد خيار تشريعي، إلا أن اتساع النطاق الزمني المفتوح رجعياً يطرح سؤالاً عن العلاقة بين العفو وبين طبيعته الاستثنائية. فإذا كان الهدف معالجة مرحلة محددة وظروف استثنائية محددة خلال فترة زمنية محددة، فمن الطبيعي أن يكون هناك رابط بين تلك الظروف والفترة الزمنية التي يشملها القانون.
أما أن يمتد العفو إلى جميع الجرائم المرتكبة في أي وقت سابق على تاريخ القطع، من دون تحديد بداية، فإن معيار الاستفادة يصبح مجرد وجود الجريمة قبل تاريخ معين، لا ارتباطها بمرحلة أو ظرف اجتماعي أو سياسي محدد.
وتتضح الإشكالية بصورة خاصة بالنسبة إلى المخبّئ الذي أدرجه النص صراحة ضمن أوصاف المساهمين في ارتكاب الجرائم المشمولة بالعفو. ففعل الإخفاء أو إيواء الجاني لا يقع بالضرورة في اللحظة نفسها التي ترتكب فيها الجريمة الأصلية، وقد يبدأ بعدها بوقت، كما يمكن أن يستمر فترة من الزمن إلى أن يتم توقيف الجاني أو تنتهي حالة الاختفاء. وهنا يثور سؤال لا يجيب عنه النص بوضوح: إذا كانت الجريمة الأصلية قد ارتكبت قبل الأول من آذار 2026، لكن فعل الإخفاء استمر إلى ما بعد هذا التاريخ، فهل يستفيد المخبّئ من العفو باعتبار أن الجريمة الأصلية تدخل في النطاق الزمني للقانون، أم أن فعله لا يكون مشمولاً إلا بقدر ما يكون قد اكتمل قبل التاريخ المحدد؟
وتتخذ المسألة أهمية خاصة إذا كان فعل الإخفاء مستمراً بطبيعته، بحيث يمتد إلى ما بعد التاريخ المحدد للعفو، بل وربما إلى ما بعد صدور القانون نفسه. فالعفو العام، من حيث الأصل، لا يفترض أن يعفي من فعل لم يكن قد اكتمل بعد في التاريخ الذي حدده المشرّع لنطاقه الزمني. غير أن صياغة المادة الأولى، بإدراج «المخبّئ» ضمن أوصاف المساهمين في ارتكاب الجرائم المشمولة، قد تفتح المجال لتفسير يربط استفادة المخبّئ بتاريخ الجريمة الأصلية لا بتاريخ اكتمال فعله هو. ومن هنا تنشأ مساحة من عدم اليقين كان يفترض بالمشرّع أن يحسمها صراحة، تحديداً في الحالات التي يستمر فيها فعل الإخفاء بعد التاريخ المحدد للعفو، وربما حتى بعد صدور القانون.
وتتخذ المسألة بعداً أكثر حساسية لأن المادة الأولى لا تقف عند الملاحقات الجارية، بل تمتد إلى الأحكام والقرارات الصادرة، بما فيها الأحكام النهائية. وهنا تبرز مسألة استقرار الأحكام وقوة القضية المحكوم بها، وإن كان من طبيعة العفو العام أن يرتب، بنص تشريعي، آثاراً على العقوبات التي صدرت بها أحكام سابقة.
كما تبرز مسألة أخرى تتعلق بوضع من يكون قد نفذ العقوبة كاملة قبل صدور قانون العفو. فإذا كان العفو العام، بموجب المادة الأولى، يسقط الأحكام ويمحو العقوبات والتدابير الاحترازية، فهل يستفيد من هذا الأثر أيضاً من كان قد أنهى تنفيذ عقوبته قبل صدور القانون، أم أن العفو لا تكون له بالنسبة إليه سوى آثار نظرية، لكون العقوبة قد استُنفدت أصلاً؟ وإذا كان المقصود أن يمتد أثر العفو إلى هذه الحالة أيضاً، فهل يقتصر الأمر على محو الآثار القانونية للحكم، أم يشمل كذلك آثاره في السجل العدلي وسائر النتائج التي ترتبت عليه؟
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند مقارنة شخصين ارتكبا الجريمة نفسها وصدر بحقهما الحكم نفسه، ثم نفذ أحدهما عقوبته كاملة قبل صدور قانون العفو، بينما كان الآخر لا يزال ينفذ العقوبة عند صدوره. فالأول يكون قد تحمل بالفعل كامل العقوبة التي فرضت عليه، في حين يستفيد الثاني من إسقاط العقوبة المتبقية عنه. وإذا كان العفو يهدف إلى محو الآثار القانونية للحكم بالنسبة إلى الاثنين، فما هي الآثار التي تترتب على ذلك بالنسبة إلى من سبق أن نفذ العقوبة، وهل يمكن أن يستفيد منه عملياً بالقدر نفسه؟
صحيح أن مبدأ المساواة لا يعني بالضرورة تطابق المعاملة في جميع الظروف، كما أن العفو العام قد يرتب، بحكم طبيعته، آثاراً مختلفة تبعاً للوضع الذي يوجد فيه المحكوم عليه عند صدوره. لكن هذه المفارقة تكشف أن اتساع نطاق العفو ليشمل الأحكام والعقوبات المنفذة وغير المنفذة يثير أسئلة دقيقة حول تحديد آثاره بالنسبة إلى المراكز القانونية التي تكون قد استُنفدت قبل صدوره، وحول مدى اتساق هذه الآثار مع مبدأ المساواة.
المادة الثانية: استثناء الجرائم الخطيرة... حماية ضرورية يشوبها بعض التناقض
لا يمكن إنكار أن المادة الثانية تضمنت قائمة واسعة من الاستثناءات. فقد استثنت الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، والقتل عمداً أو قصداً، والجرائم الإرهابية، وعدداً من الجرائم العسكرية، والخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو، وبعض جرائم المخدرات، والجرائم الواقعة على المال العام، وجرائم الفساد والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال، والجرائم المصرفية المرتبطة بأموال المودعين، وجرائم الاغتصاب والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القاصرين والتعذيب والإخفاء القسري، فضلاً عن جرائم أخرى.
وهذه الاستثناءات، من حيث المبدأ، تتفق مع فكرة أساسية: ليس من المقبول وضع الجرائم البسيطة والجرائم شديدة الخطورة في مرتبة واحدة عند تقرير العفو العام.
لكن بعض أحكام المادة نفسها تثير تساؤلات، ولا سيما في مجال المخدرات. فالنص لم يستثنِ جميع الجرائم المرتبطة بها، وإنما استثنى، في ما يتعلق بالجنايات، «جنايات التكرار بالمخدرات كما نصت عليها المادة 125 من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية». وتكمن المفارقة هنا في أن القانون ذاته يعاقب، بموجب المادة 125، بعض الأفعال المتعلقة بالمواد المخدرة الشديدة الخطورة بالأشغال الشاقة المؤبدة والغرامة، فيما تفرض المادة 126 العقوبات نفسها على أفعال أخرى، من بينها بيع العقاقير المخدرة الشديدة الخطورة أو عرضها للاستهلاك غير المشروع وتسهيل استعمالها وغيرها من الأفعال. ومع ذلك، فإن قانون العفو لا يستبعد هذه الجنايات من نطاقه إلا في حالة التكرار.
وهنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: كيف يمكن أن تكون الجريمة من الخطورة بحيث يعاقب مرتكبها بالأشغال الشاقة المؤبدة، ثم تصبح مشمولة بالعفو العام إذا ارتكبت للمرة الأولى، في حين يستثنى مرتكبها من العفو لمجرد توافر حالة التكرار؟ إن خطورة الفعل الإجرامي لا تنشأ من التكرار وحده، ولا يفترض أن تتحول السابقة الجرمية إلى المعيار الوحيد لتحديد ما إذا كانت الجريمة تستحق أن تُمحى آثارها بالعفو العام.
وقد يكون للتكرار أثر واضح في تقدير المسؤولية والعقوبة، وهو أمر يقرّه القانون نفسه. لكن استخدامه هنا كحد فاصل بين جريمة مخدرة تستفيد من العفو وأخرى مستثناة منه يثير تساؤلاً جدياً حول منطق السياسة الجنائية المعتمد. فإذا كان المشرّع قد بلغ في الأصل حد تقرير الأشغال الشاقة المؤبدة لبعض هذه الأفعال، فمن الصعب تفسير شمول ارتكابها للمرة الأولى بالعفو لمجرد أن سجل مرتكبها يخلو من تكرار سابق، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأفعال بالغة الخطورة كالاتجار أو البيع غير المشروع بالمواد المخدرة الشديدة الخطورة.
ويزداد الأمر تعقيداً بسبب صياغة الإحالة نفسها. فعبارة «جنايات التكرار بالمخدرات كما نصت عليها المادة 125» لا تحدد بصورة واضحة ما المقصود بنطاق الاستثناء، ولا سيما في ضوء أن المادة 126 تفرض العقوبات نفسها على مجموعة من الأفعال المرتبطة بالمخدرات. فهل ينصرف الاستثناء إلى الأفعال المحددة في المادة 125 وحدها عند توافر التكرار، أم إلى سائر الجنايات التي تعاقب بالعقوبات نفسها؟ إن هذا الغموض ليس تفصيلاً تقنياً، لأن تحديد نطاق الاستثناء يحدد في النهاية من يستفيد من العفو ومن يُحرم منه.
المسألة هنا ليست في الدفاع عن تشديد العقوبة لذاته، وإنما في اتساق المعايير التي اعتمدها المشرّع نفسه. فإذا كان المشرّع يعتبر بعض جرائم المخدرات من الجنايات التي تستوجب عقوبة تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، فإن جعل العفو عنها متاحاً عند ارتكابها للمرة الأولى، وحصر الاستثناء في حالة التكرار، يحتاج إلى تبرير واضح يتعلق بطبيعة الفعل وخطورته، لا بمجرد الوضع الجنائي السابق لمرتكبه.
- اللبنانيون الذين لجأوا إلى إسرائيل: ماذا يقول النص فعلاً؟
تحتاج هذه المسألة إلى دقة خاصة، لأن الفارق بين الخطاب السياسي والإعلامي وبين ما ينص عليه القانون يحدد فعلياً نطاق المستفيدين من العفو.
فالمادة الثانية تستثني جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو، باستثناء المشمولين بالفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون رقم 194 تاريخ 18 تشرين الثاني 2011، الذين يعتبرون مستفيدين حكماً من قانون العفو العام الحالي.
وتُميز المادة الأولى من قانون 194/2011 بين فئتين. فالمواطنون اللبنانيون من جيش لبنان الجنوبي الذين فروا إلى الأراضي المحتلة يخضعون، عند عودتهم، للمحاكمة وفق القوانين اللبنانية. أما المواطنون اللبنانيون الآخرون الذين لم ينضووا عسكرياً وأمنياً، بمن فيهم أفراد عائلات الأشخاص المذكورين في البند الأول من زوجات أو أزواج وأولاد، والذين لجأوا إلى الأراضي المحتلة إثر تحرير الشريط الحدودي في 25 أيار 2000، فيُسمح لهم بالعودة إلى لبنان وفق الآليات التي حددها القانون.
وبالتالي، فإن القانون الحالي لا يمنح عفواً عاماً ومطلقاً لجميع اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل، ولا يجعل مجرد واقعة اللجوء سبباً كافياً للاستفادة منه، وإنما يحيل إلى فئة قانونية محددة رسمها قانون 194/2011.
وهنا تبرز إشكالية عملية: حتى إذا كانت الاستفادة مقررة حكماً، فإن تحديد ما إذا كان شخص معين ينتمي فعلاً إلى الفئة المشمولة قد يتطلب التحقق من وضعه وطبيعة دوره والظروف التي أحاطت بلجوئه. ومن ثم فإن الاستفادة لا تقوم على مجرد إثبات واقعة اللجوء، وإنما على تكييف قانوني وواقعي لوضع الشخص.
ولهذا لا يجوز اختزال القضية في عنوان سياسي واسع مثل «العفو عن اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل». فالمسؤولية الجنائية في دولة القانون ينبغي أن تحدد على أساس الأفعال والمسؤوليات الفردية، لا بمجرد الانتماء إلى فئة أو مجرد واقعة اللجوء.
وفي المقابل، فإن القول إن القانون الحالي أنهى بصورة شاملة ونهائية ملف اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل يحتاج أيضاً إلى التحفظ. فالنص أحال إلى فئة محددة في قانون 194/2011، وأبقى التمييز بين من انضوى عسكرياً أو أمنياً ومن لم ينضوِ، ولم يقدم تسوية شاملة لجميع الحالات التي خلفتها الحرب.
وهنا تبرز مسألة المساواة أمام القانون. فإذا كان الهدف من معالجة هذه القضية هو طي صفحة من صفحات الحرب اللبنانية، فإن المطلوب أن تقوم التسوية على معيار قانوني موضوعي ومبرر، وأن تكون المسؤولية فردية لا جماعية. فمن ارتكب جريمة يجب أن يحاسب على فعله، ولا ينبغي في المقابل أن تبقى أوضاع من لم يرتكبوا أفعالاً جرمية معلقة إلى أجل غير محدد بسبب ملف الحرب أو الانتماء العائلي أو واقعة اللجوء.
كما ينبغي التمييز بين النص الأصلي للمادة الأولى من قانون 194/2011 وبين الآليات والإجراءات التي قد تحكم تطبيق العودة في الوضع الراهن، وعدم الخلط بين ما يقرره القانون نفسه وبين أي شروط أو إجراءات تطبيقية.
ومن هذه الزاوية، فإن القول إن قانون العفو الحالي «أنهى ملف اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل» يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ. فالنص لم يضع تسوية شاملة لجميع الحالات، ولم يجعل مجرد اللجوء أساساً موحداً للمعاملة، ولم ينهِ بصورة نهائية كل الآثار القانونية التي خلفتها هذه الصفحة من الحرب اللبنانية.
والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان المرء يؤيد أو يعارض تسوية أوضاع هؤلاء، وإنما ما إذا كان المشرّع قد عالج المسألة وفق معيار قانوني عادل وموحد، يحترم المسؤولية الفردية والمساواة بين جميع اللبنانيين أمام القانون، ويضع حداً نهائياً لملف من ملفات الحرب اللبنانية، أم أنه اكتفى بتسوية جزئية تترك بعض الأوضاع معلقة.
وهنا ينبغي الحذر أيضاً من التوظيف السياسي للقضية. فعندما يُقدَّم القانون للرأي العام تحت عنوان واسع يوحي بأنه «عفو عن اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل»، بينما نطاق النص أكثر ضيقاً وتعقيداً، ينشأ فارق بين الرسالة السياسية التي يحملها العنوان وبين الأثر القانوني الفعلي للنص.
فإذا كان العفو العام يفترض، في جوهره، طيّ صفحة مرحلة استثنائية من تاريخ البلاد وتسوية آثارها القانونية على أساس عام ومجرد، فإن إبقاء هذه الفئة خاضعة لنظام قانوني مختلف يطرح سؤالاً جدياً حول مدى احترام مبدأ المساواة بين اللبنانيين.
فقد كان الأجدر بالمشرّع، إذا كان يريد فعلاً إغلاق ملفات الحرب، أن يعالج أوضاع هؤلاء ضمن الإطار العام للعفو، وأن يميز، كما يقتضي القانون، بين المسؤولية الفردية عن الجرائم وبين مجرد الانتماء إلى فئة أو اللجوء إلى مكان معين خلال الحرب. أما أن تُستبعد فئة من اللبنانيين من آثار التسوية العامة بسبب هذا الوضع، في حين يستفيد منها أشخاص ارتكبوا جرائم أخرى خطيرة، فإن ذلك يثير شبهة قوية في أن العفو لم يُبنَ على معيار قانوني مجرد ومتساوٍ، وإنما أبقى على تمييز يستهدف فئة محددة من اللبنانيين.
والأكثر خطورة أن هذا الاستثناء لا يمكن فصله عن الواقع السياسي الذي حكم لبنان لعقود. فالمشرّع، بدلاً من أن يستعمل العفو العام كأداة للمصالحة القانونية وإنهاء آثار الحرب، يخاطر بتحويله إلى وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام السياسي نفسه، وإبقاء فئة من اللبنانيين خارج التسوية العامة، تحت تأثير سلاح الميليشيا الايرانية وقوى الأمر الواقع. فالقانون الذي يفترض أن يطوي صفحة الحرب لا ينبغي أن يعيد إنتاج خطوط الانقسام التي خلّفتها، بل أن يقوم على تسوية واضحة وشاملة، تحترم المساواة، وتستند إلى المسؤولية الفردية، وتضع معياراً واحداً يطبق على جميع اللبنانيين.
ثانياً – عندما تُستثنى الجرائم الخطيرة من العفو... ثم تُخفَّض عقوباتها
إذا كانت المادة الثانية هي التي تستبعد الجرائم الخطيرة من العفو، فإن المادة الثالثة هي، في تقديري، أكثر مواد القانون إثارة للإشكال من زاوية العدالة الجنائية.
فهي تنص، بالنسبة إلى الجرائم التي لم يشملها العفو، على استبدال عقوبة الإعدام بـ 28 سنة سجنية أي ب17 سنة فعلية، والأشغال الشاقة المؤبدة بـ 17 سنة سجنية أي ب13 سنة فعلية، وتخفيض سائر العقوبات المتبقية بمقدار الثلث.
وهنا تظهر المفارقة التشريعية بوضوح:
المادة الثانية تستثني الجرائم الخطيرة من العفو، ثم تأتي المادة الثالثة لتخفض بصورة عامة العقوبات المفروضة على مرتكبي هذه الجرائم نفسها.
ومن الناحية الفنية، ينبغي أن نكون دقيقين: تخفيض العقوبة أو استبدالها لا يساوي محو الجريمة ولا إلغاء صفتها الجرمية. فالإدانة تبقى قائمة من حيث المبدأ، والجريمة لا تتحول إلى فعل مشروع.
لكن النتيجة العملية تظل جوهرية. فالمشرّع الذي اعتبر الإرهاب والقتل العمد والجرائم التي تمس أمن الدولة وغيرها من الأفعال التي لا يجوز أن يشملها العفو الكامل، عاد في المادة الثالثة ليخفض بصورة عامة ومؤثرة العقوبات التي تترتب عليها.
وهذا ما يجعل المادة الثالثة ذات أثر قريب من العفو غير المباشر عن العقوبة، وإن لم تكن عفواً عن الجريمة بالمعنى الفني.
- من الإعدام إلى 28 سنة، ومن المؤبد إلى 17 سنة
تظهر أهمية النص عندما نضعه أمام العقوبات التي كان القانون يقررها أصلاً.
ففي بعض صور القتل القصدي، تصل العقوبة في القانون اللبناني إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، بينما يعاقب القتل القصدي في صور أخرى بالأشغال الشاقة المؤقتة من 15 إلى 20 سنة، وترتفع في حالات معينة إلى المؤبد.
وبموجب المادة الثالثة، فإن العقوبة المؤبدة تصبح 17 سنة سجنية، أي 13 سنة فعلية. أما العقوبات المؤقتة، فإن التخفيض بنسبة الثلث يؤدي إلى نتائج ملموسة: فعقوبة 15 سنة تصبح 10 سنوات، وعقوبة 18 سنة تصبح 12 سنة، وعقوبة 20 سنة تصبح 13 سنة وأربعة أشهر.
والأمر نفسه ينطبق على بعض الجرائم الخطيرة في مجال السرقة. فعندما تصل العقوبة إلى عشر سنوات مثلاً، يؤدي التخفيض العام إلى 6 سنوات و8 أشهر، مع مراعاة قاعدة السنة السجنية التي لا تعادل اثني عشر شهراً.
وتبرز المسألة بصورة أشد وضوحاً في جرائم المخدرات. فقانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 673/1998 يفرض في بعض الصور الخطيرة من الجرائم المنصوص عليها في المادة 125 عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة. وإذا لم تكن الجريمة داخلة في الاستثناء الذي وضعته المادة الثانية من قانون العفو، فإن المادة الثالثة تجعل العقوبة المؤبدة 17 سنة سجنية، أي 13 سنة فعلية.
وهكذا يمكن أن نجد أنفسنا أمام نتيجة يصعب تجاهلها: جريمة خطيرة في مجال المخدرات تستبعد من العفو العام من حيث المبدأ، لكن عقوبتها المؤبدة نفسها تتحول تشريعياً إلى 17 سنة.
وهذا لا يعني أن كل مرتكب لجريمة مخدرات سيستفيد بالضرورة من الحكم، إذ تظل شروط المادة الثانية واجبة التطبيق. لكن المثال يكشف بوضوح عن الإشكالية: استبعاد الجريمة من العفو الكامل لا يحول دون استفادتها من تخفيض عقابي بالغ الأثر.
- من العقوبة القانونية إلى مدة السجن الفعلية
ولا تتوقف المسألة عند الأرقام الاسمية.
ففي لبنان، وبموجب القانون رقم 216 تاريخ 30 آذار 2012، تُحتسب السنة السجنية، بالنسبة إلى العقوبة المقضي بها سنة فأكثر، تسعة أشهر من يوم إلى مثله، مع الاستثناءات التي حددها القانون.
وهذه القاعدة تجعل أثر التخفيض أكثر أهمية عند الانتقال من الرقم الوارد في الحكم إلى المدة الفعلية المحتسبة لتنفيذ العقوبة.
فإذا تحولت العقوبة المؤبدة، بموجب المادة الثالثة، إلى 17 سنة سجنية، فإن الحساب وفق قاعدة السنة السجنية ذات التسعة أشهر يعني، من حيث المبدأ، أن 17 سنة سجنية تعادل 153 شهراً، أي 12 سنة و9 أشهر وفق هذا الأسلوب الحسابي، ما لم ينطبق استثناء قانوني آخر.
وبالمثل، فإن العقوبة التي خُفضت إلى 10 سنوات سجنية تعادل حسابياً 7 سنوات ونصف وفق قاعدة التسعة أشهر، والعقوبة التي أصبحت 6 سنوات و8 أشهر تنخفض حسابياً إلى نحو 5 سنوات.
وهنا يجب التمييز بين المدة المحكوم بها وبين كيفية احتساب مدة التنفيذ. فالقانون لا يقول إن «17 سنة أصبحت 12 سنة و9 أشهر»، وإنما يقرر طريقة احتساب السنة السجنية لأغراض التنفيذ. لكن الأثر العملي على مدة بقاء المحكوم عليه في السجن يبقى جوهرياً.
- أين يصبح مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة؟
تظهر هنا مسألة أعمق تتعلق بمبدأ التناسب بين خطورة الجريمة والعقوبة.
فالعقوبة في السياسة الجنائية ليست رقماً منفصلاً عن الجريمة، وإنما يفترض أن تعكس، ضمن حدود السلطة التقديرية للمشرّع، درجة جسامة الفعل والمصلحة التي يحميها القانون والضرر الذي أحدثه الجرم.
ولا يعني ذلك أن كل تخفيض تشريعي للعقوبة يخالف، بذاته، مبدأ التناسب. فالمشرّع يستطيع تعديل السياسة العقابية، ويمكنه أن يرى في مرحلة معينة أن بعض العقوبات أصبحت شديدة أو غير ملائمة.
لكن الإشكالية في قانون العفو الحالي تكمن في الطابع العام للتخفيض وتطبيقه على جرائم متباينة جداً في طبيعتها وخطورتها.
فهل من المنطقي أن تُخفض العقوبة بمقدار الثلث بالمنهج نفسه بالنسبة إلى جريمة سرقة معينة، وجريمة قتل عمد، وجريمة إرهابية، وجريمة خطيرة في مجال المخدرات؟
السؤال ليس ما إذا كان يجب أن تكون العقوبات قاسية، وإنما ما إذا كان التخفيض التشريعي نفسه قد راعى التدرج الذي سبق للمشرّع أن أقامه بين الجرائم بحسب خطورتها.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بجرائم الإرهاب أو الاغتيالات السياسية أو التفجيرات الكبرى التي هزت لبنان، أو بالجرائم التي خلفت أعداداً كبيرة من الضحايا، وفي مقدمتها الاغتيالات السياسية وتفجير مرفأ بيروت.
ولا يعني ذلك، بالطبع، أن كل شخص متهم في هذه الملفات مدان، أو أن العقوبة يجب أن تسبق المحاكمة. فالمبدأ الصحيح هو العكس تماماً: كل متهم بريء حتى تثبت إدانته أمام قضاء مستقل وعادل.
لكن هذا المبدأ نفسه يفترض أن تتم المحاكمة، وأن تحدد المسؤولية، وأن تصدر الأحكام وفق القانون، لا أن يحل التشريع محل القضاء في تحديد مصير العقوبات بصورة جماعية.
- وماذا عن حق الضحية؟
أما الشرط المتعلق بالحق الشخصي فيضيف إشكالية مختلفة.
فالمادة الثالثة تقرر أنه في الجرائم التي يكون فيها المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل الأول من آذار 2026، لا يسري تخفيض العقوبة إلا بعد الحصول على إسقاط الحق الشخصي.
ومن ناحية أولى، يمكن الدفاع عن هذا الحكم باعتباره حماية لحقوق الضحية. فمؤدى النص أن المحكوم عليه لا يستفيد من التخفيض متى كان صاحب الحق الشخصي قد باشر المطالبة بحقه قبل التاريخ المحدد، إلا بعد تسوية هذا الحق والحصول على إسقاط شخصي من صاحبه.
لكن هذه الحماية تطرح في الوقت نفسه أسئلة جدية. فلماذا اختار المشرّع تحديد الأول من آذار 2026 تحديداً؟ وماذا عن متضرر أصيب بالضرر نفسه لكنه لم يتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل ذلك التاريخ؟ أو عن ضحية لم تكن ظروفها تسمح لها بممارسة هذا الحق في الموعد المحدد؟
هنا يمكن أن ينشأ تمييز بين ضحايا متقاربين في المركز القانوني والواقعي، لا بسبب اختلاف في طبيعة الضرر أو الجريمة، وإنما بسبب اختلاف إجرائي مرتبط بتاريخ اتخاذ صفة الادعاء الشخصي.
ثم هناك مشكلة أخرى: إذا كان إسقاط الحق الشخصي شرطاً لتخفيض العقوبة، فقد يجد المتضرر نفسه أمام معادلة صعبة: إما أن يتمسك بحقه الشخصي، فيبقى المحكوم عليه محروماً من التخفيض، وإما أن يسقط حقه لكي يستفيد المحكوم عليه من التخفيض.
ولا ينبغي أن يتحول حق الضحية في التعويض إلى نوع من المقايضة مع حق المحكوم عليه في الاستفادة من التخفيض التشريعي.
وهكذا تكشف المادة الثالثة عن إشكالية مزدوجة: تخفيض جوهري لعقوبات جرائم استبعدها المشرّع نفسه من العفو الكامل، وإدخال الحق الشخصي للضحية في آلية تحديد مدى استفادة المحكوم عليه من هذا التخفيض.
ثالثاً – الضحية بين بقاء الحق الشخصي وتعقيد طريق التعويض
تتناول المادة الرابعة الحقوق الشخصية الناجمة عن الجرائم التي شملها العفو الكامل أو مرور الزمن أو تخفيض العقوبات، وتحدد الحالات التي تبقى فيها من اختصاص المحاكم الجزائية، فيما تحيل دعاوى أخرى إلى المحاكم المدنية أو الإدارية المختصة.
وهنا ينبغي التمييز بين العفو الكامل وبين مجرد تخفيض العقوبة أو استبدالها. ففي حالة العفو الكامل يمكن فهم تدخل المشرّع في ترتيب الآثار الجزائية للفعل. أما عندما تبقى الجريمة قائمة ولم تُمحَ صفتها الجرمية، وإنما جرى فقط تخفيض العقوبة أو استبدالها، فإن مساواة وضعها إجرائياً بوضع الجريمة التي شملها العفو الكامل تثير إشكالاً مختلفاً.
والأكثر أهمية هو أثر ذلك على الضحية.
فإحالة دعوى الحق الشخصي، في بعض الحالات، إلى القضاء المدني أو الإداري قد تعني عملياً فصل حق الضحية في التعويض عن المسار الجزائي وإلزامها بخوض مسار قضائي جديد، غالباً أطول وأكثر تعقيداً وكلفة.
ولا ينبغي أن يتحول قانون العفو، الذي يفترض أن يساهم في إنهاء الملفات وتسوية آثارها، إلى عامل إضافي ينقل عبء التقاضي من الدولة إلى الضحية، أو يفرض عليها سلوك طريق قضائي جديد للحصول على التعويض الذي كان يمكن أن تطالب به في إطار الدعوى الجزائية بطريقة أسهل وأسرع.
فالعدالة لا تتعلق فقط بمصير المتهم، وإنما أيضاً بحقوق الضحية في معرفة الحقيقة والانتصاف والحصول على التعويض. ولا يجوز أن يؤدي إنهاء الملاحقة الجزائية بالعفو إلى إضعاف قدرة الضحية على الوصول إلى العدالة أو جعل حصولها على حقوقها أكثر صعوبة.
رابعاً – حيث يقدم القانون نفسه الحل الأفضل: المادتان الخامسة والتاسعة
لا ينبغي وضع جميع مواد القانون في مرتبة واحدة. فهناك أحكام يمكن الدفاع عنها من منظور العدالة وسيادة القانون، بل تكشف في حد ذاتها أن معالجة أزمة السجون لا تحتاج دائماً إلى عفو عام.
تنص المادة الخامسة على أنه إذا تجاوز توقيف المدعى عليه أربعة عشر عاماً في جريمة لم يصدر فيها حكم، وجب على القاضي إخلاء سبيله، مع استمرار المحاكمة وفق الأصول.
وهذا الحكم يستحق التأييد من حيث المبدأ، لأنه يعالج مشكلة حقيقية من دون أن يمس أصل المسؤولية الجزائية. فمن غير المقبول أن يتحول التوقيف الاحتياطي، الذي يفترض أن يكون تدبيراً إجرائياً استثنائياً، إلى عقوبة فعلية تسبق الحكم.
وإخلاء سبيل المدعى عليه في هذه الحالة لا يعني تبرئته، ولا إسقاط الدعوى العامة، ولا إعفاءه من المسؤولية إذا ثبتت؛ وإنما يعيد الأمور إلى نصابها القانوني: الحرية هي الأصل، والتوقيف تدبير مؤقت، والحكم بالإدانة هو الذي ينشئ العقوبة.
وتذهب المادة التاسعة في الاتجاه نفسه عندما تعفي من الغرامات والرسوم المحكومين الذين أمضوا مدة عقوبتهم وبقوا في السجن فقط بسبب عدم تسديد المبالغ المحكوم بها، بما يسمح بإخراجهم من السجن.
وهنا أيضاً يعالج القانون المشكلة الفعلية لا الجريمة ذاتها. فإذا كان الشخص قد استنفد مدة العقوبة السجنية المحكوم بها، فإن إبقاءه في السجن بسبب عجزه عن دفع مبالغ مالية يطرح مسألة مختلفة تتعلق بجدوى استمرار الحرمان من الحرية.
وهنا تكمن المفارقة الأهم في القانون: المشرّع نفسه يقدم في المادتين الخامسة والتاسعة نموذجاً لسياسة تشريعية أكثر دقة وتناسباً من العفو العام الشامل.
فإذا كان القضاء البطيء هو المشكلة، فالحل هو تسريع المحاكمات وتوفير الموارد اللازمة للقضاء، لا إسقاط الدعاوى.
وإذا كان التوقيف الاحتياطي الطويل قد تحول عملياً إلى عقوبة، فالحل هو وضع حد لهذا التوقيف، مع إبقاء المحاكمة مستمرة، لا إعفاء المدعى عليه من المسؤولية.
وإذا كان المحكوم قد أنهى مدة عقوبته وبقي في السجن فقط بسبب غرامة أو رسوم لا يستطيع دفعها، فالحل هو معالجة هذا الوضع تحديداً، كما فعلت المادة التاسعة.
بمعنى آخر، هناك فرق جوهري بين معالجة أزمة السجون وبين إلغاء المسؤولية الجزائية. الأولى تتطلب معالجة أسباب الاكتظاظ وأوجه الخلل في إدارة العدالة الجنائية؛ أما الثانية فتتطلب مبرراً استثنائياً ومحدداً يتعلق بالجرائم والأشخاص المشمولين بها.
وهذا يقود إلى سؤال أساسي: هل يعالج القانون أسباب أزمة السجون، أم يستخدم أزمة السجون ذريعة لتسوية ملفات جزائية لا علاقة لها بها؟
فالعفو العام يطال الجريمة وآثارها الجزائية، أما معالجة الاكتظاظ فتفترض استهداف الأشخاص والأوضاع التي تساهم فعلاً في هذا الاكتظاظ. وكلما ابتعد نطاق العفو عن هذه العلاقة المباشرة، أصبح من الأصعب تبريره باعتباره حلاً لأزمة السجون.
خامساً – تراكم التخفيضات: المادة العاشرة وإعادة ترتيب السياسة العقابية
بموجب المادة العاشرة من قانون العفو العام، تُعدّل، لمرة واحدة وحصراً لدواعي تطبيق هذا القانون، أحكام المادة 205 من قانون العقوبات المتعلقة بتعدد الجرائم والعقوبات.
قد يكون لهذا التعديل مبرر فني من حيث قواعد تعدد الجرائم وكيفية تنفيذ العقوبات، وليس الاعتراض هنا على المبدأ التقني للتعديل بحد ذاته. إنما السؤال هو: ما علاقته بالغاية التي يفترض أن يحققها قانون العفو، ولا سيما معالجة أوضاع السجون؟
فالمادة العاشرة لا تعالج حالة توقيف احتياطي طويل، ولا تسرّع المحاكمات، ولا تضع حداً لبقاء أشخاص في السجن بعد انتهاء مدة عقوبتهم، وإنما تتدخل في كيفية ترتيب وتنفيذ العقوبات عند تعدد الجرائم.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة عند مقارنة المادة العاشرة مع سائر أحكام القانون. فنحن أمام تراكم تشريعي: عفو كامل عن طائفة واسعة من الجرائم، ثم استبدال بعض العقوبات، ثم تخفيض سائر العقوبات بمقدار الثلث، ثم تعديل قواعد الجمع بين العقوبات.
وهنا لا يعود الأثر مقتصراً على العفو عن جرائم محددة أو معالجة حالات استثنائية، بل يصبح القانون، في مجموعه، أداة تؤثر في مستويات العقوبة وفي كيفية احتسابها وتنفيذها على نطاق واسع.
وهذا هو موضع النقد تحديداً: المشكلة ليست أن المادة العاشرة تخفف العقوبة في حد ذاتها، بل أن قانون العفو العام يستخدم، إلى جانب العفو والتخفيض والاستبدال، لإعادة ترتيب قواعد العقوبة وتنفيذها.
فإذا كانت الغاية هي معالجة الاكتظاظ في السجون، فما الذي يبرر تعديل قواعد تعدد الجرائم والعقوبات بالنسبة إلى الحالات التي يشملها القانون؟ وهل كان يمكن تحقيق الغاية نفسها بوسائل أكثر تحديداً وارتباطاً بأسباب الاكتظاظ؟
وهكذا يختلط في القانون أكثر من هدف: معالجة أزمة السجون من جهة، وإعادة ترتيب المسؤولية والعقوبة وتنفيذها من جهة أخرى.
سادساً – الأسباب الموجبة: تشخيص صحيح للأزمة، لكن هل كان العلاج صحيحاً؟
تقدم الأسباب الموجبة للقانون تشخيصاً بالغ الأهمية لأزمة العدالة في لبنان: تأخر إصدار الأحكام، طول التوقيف الاحتياطي، اكتظاظ السجون، الإضرابات القضائية، تأخر التعيينات، والظروف السياسية والأمنية والاقتصادية، وصعوبة سوق الموقوفين إلى جلسات المحاكمة.
وفي هذا التشخيص يمكن الاتفاق معها.
لكن الاختلاف الجوهري يبدأ عند العلاج.
إذا كان القضاء البطيء هو المشكلة، فالإصلاح القضائي هو العلاج.
وإذا كان اكتظاظ السجون هو المشكلة، فإصلاح السجون وتطبيق قواعد التوقيف والإفراج القانوني هو العلاج.
وإذا كان هناك موقوفون تجاوز توقيفهم الحدود المقبولة، فالحل هو إطلاق سراحهم ومحاكمتهم وفق الأصول.
وإذا كانت هناك ملفات شابها خلل في الاختصاص أو في الإجراءات، ولا سيما تلك التي خضع فيها مدنيون لاختصاص المحكمة العسكرية وإجراءاتها الاستثنائية، فإن الحل لا يكون بإصدار عفو جماعي عنها، بل بإلغاء اختصاص القضاء العسكري في محاكمة المدنيين وإجراءات المحاكمة الاستثنائية المترتبة عليه، وإحالة الملفات المعنية إلى القضاء الجزائي المدني المختص، في إطار قانون جديد يضمن محاكمة عادلة وفق الأصول.
إن الأسباب الموجبة نفسها تقر بأن العفو العام ليس بديلاً عن إصلاح القضاء والسجون وتفعيل المحاكمات. ومن هنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان المشرّع يعرف أن الإصلاح هو الحل البنيوي، فلماذا تصبح قوانين العفو أداة متكررة لمعالجة نتائج غياب الإصلاح؟
المشكلة، إذن، ليست في الاعتراف بمبدأ العفو العام. فهذا المبدأ دستوري، ومجلس النواب يملك صلاحية منحه. كما أن معالجة أوضاع الموقوفين منذ سنوات طويلة، وإنهاء حالات التوقيف التي تجاوزت الحدود المقبولة، ومعالجة اكتظاظ السجون، كلها أهداف مشروعة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتجاوز العفو وظيفته الاستثنائية ويتحول إلى وسيلة لمعالجة عجز الدولة عن إصلاح قضائها وسجونها، أو عندما تستثنى جرائم خطيرة من العفو الكامل ثم تخفض العقوبات المقررة لها بصورة جوهرية، أو عندما تنشأ فروق في معاملة الضحايا والمتضررين لا يبدو أن لها مبرراً موضوعياً كافياً.
وفي هذه الحالة يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان القانون قد حافظ على مبدأ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، أم أنه أوجد، إلى جانب العفو الصريح، شكلاً آخر من الإفلات غير المباشر من العقوبة.
وهذا السؤال يكتسب ثقله الأكبر عندما يتعلق الأمر بجرائم لم تنته آثارها، وبضحايا ما زالوا ينتظرون الحقيقة والعدالة، وفي مقدمتها الاغتيالات السياسية وتفجير مرفأ بيروت وقتل العسكريين وسائر الجرائم التي تركت جراحاً مفتوحة في المجتمع اللبناني.
فليس المطلوب أن يُدان بريء، ولا أن يُحرم متهم من محاكمة عادلة، ولا أن يبقى إنسان في السجن من دون محاكمة إلى ما لا نهاية.
المطلوب هو العكس تماماً: قضاء مستقل يحاكم بسرعة وعدالة، يبرّئ من تثبت براءته، ويدين من تثبت مسؤوليته، ويضع حداً للإفلات من العقاب.
خاتمة – بين نسيان الماضي وبناء دولة القانون
ليس العفو العام، في ذاته، خروجاً على دولة القانون. بل هو مؤسسة دستورية يمكن أن تكون لها، في ظروف محددة واستثنائية، وظيفة مشروعة في تهدئة المجتمع وطي صفحة مرحلة تاريخية انتهت ظروفها، وإعادة دمج أشخاص لم تعد أفعالهم تشكل خطراً على المجتمع.
لكن هذه الوظيفة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا بقي العفو محكوماً بالعدالة والمصلحة العامة والمساواة، وبحدود موضوعية وزمنية واضحة، وباحترام حقوق الضحايا.
أما عندما يصبح العفو العام وسيلة دورية لمعالجة عجز القضاء، واكتظاظ السجون، وطول التوقيف الاحتياطي، وتأخر المحاكمات، فإننا لا نكون أمام معالجة حقيقية للأزمة، بل أمام تأجيل لها. فالقضاء لا يُصلح بقانون عفو، والسجون لا تُصلح بإلغاء العقوبات، والملفات المتراكمة لا تُحسم بمحو الجرائم، وإنما بإصلاح المؤسسات التي يفترض أن تتولى التحقيق والمحاكمة وتنفيذ الأحكام.
ومن هنا تكمن خطورة قانون 12 آب 2026. فالمشكلة ليست فقط في أن مجلس النواب مارس صلاحية أناطها به الدستور، بل في أن هذه الصلاحية مورست من جانب مجلس يثار جدياً الشك في مشروعية استمرار ولايته بعد التمديد الذي قرره لنفسه، وهو تمديد تحيط به اعتراضات دستورية جدية. والأخطر أن التسليم باختصاص المجلس في منح العفو العام لا يعني التسليم بصحة كل ممارسة لهذه الصلاحية أو بكل الآثار التي رتبها عليها. فالعفو، حتى عندما يصدر عن سلطة مختصة، يظل خاضعاً لحدود الدستور ولمبادئ المساواة وسيادة القانون.
فحين يشمل العفو طيفاً واسعاً من الجرائم، ثم تستثنى منه جرائم بالغة الخطورة قبل أن تعود المادة التالية فتستبدل عقوباتها أو تخفضها بصورة جوهرية في ما خص جرائم بالغة الخطورة، وحين تتراكم إلى جانب ذلك أحكام أخرى تخفف من آثار تعدد الجرائم، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بالعفو العام وحده، وإنما بمدى احترام السياسة التشريعية لمبدأ عدم الإفلات من العقاب.
وتزداد خطورة الأمر عندما يتعلق بجرائم لم ينته أثرها بانتهاء الفعل الجرمي، بل ما زالت حاضرة في الذاكرة الوطنية وفي حياة الضحايا وذويهم، وفي مقدمتها الاغتيالات السياسية وتفجير مرفأ بيروت وسائر الجرائم التي لم تُطوَ صفحاتها بعد بالحقيقة والعدالة.
فهؤلاء الضحايا لا يطلبون الانتقام، وإنما يطلبون أن تقوم الدولة بواجبها الطبيعي: التحقيق، والمحاكمة، وتحديد المسؤولية، وإصدار الأحكام وفق القانون.
إن بناء دولة القانون لا يعني أن تكون الدولة قاسية، كما لا يعني أن تكون متساهلة؛ وإنما يعني أن تكون عادلة. فالعدالة تقتضي أن يُطلق سراح من طال توقيفه بصورة غير مشروعة، وأن يُحاكم من لم يحاكم، وأن يُبرّأ من تثبت براءته، وأن يُعاقب من تثبت مسؤوليته، وأن تكون العقوبة متناسبة مع خطورة الجريمة، بعيداً عن الاعتبارات السياسية والطائفية والمذهبية.
أما أن تتكرر قوانين العفو العام كل عدة سنوات، فتُمحى جرائم، وتُخفّض عقوبات، وتُفتح أبواب الاستثناءات تبعاً لموازين القوى، فإن ذلك لا يبني دولة القانون، بل يرسخ لدى المواطن الاعتقاد بأن القانون لا ينتهي دائماً إلى العدالة، وأن العقوبة قد تتغير بتغير الظروف السياسية.
قد يكون النسيان ضرورياً أحياناً لكي يتمكن المجتمع من العيش مع ماضيه. لكن النسيان الذي يسبق الحقيقة، والمصالحة التي تسبق العدالة، والعفو الذي يتحول إلى بديل عن المحاسبة، لا يطوي الماضي؛ بل يرحّله إلى المستقبل.
وهنا تكمن المسألة الأساسية التي يطرحها قانون 12 آب 2026:
هل نريد عفواً يفتح الطريق أمام مصالحة حقيقية، أم عفواً يفتح الطريق أمام إفلات جديد من العقاب؟
فلبنان لا يحتاج إلى قوانين عفو عامة تتكرر كلما عجزت مؤسساته عن القيام بواجباتها، بقدر ما يحتاج إلى قضاء مستقل وفعّال، وسجون إنسانية، ومحاكمات سريعة وعادلة، ومساواة حقيقية أمام القانون، وسياسة واضحة لا مكان فيها للإفلات من العقاب.
ذلك وحده هو الطريق إلى المصالحة الحقيقية وإلى دولة القانون.
أستاذ القانون الدولي الجنائي في جامعة ستراسبورغ ومستشار في المحكمة الجنائية الدولية، محام عام دولي أسبق في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ومحام عام أسبق في فرنسا ومحام بالنقض والاستئناف