دراسة لـ"جوستيسيا" عن "تصريف الأعمال في ظروف لبنان الصحيّة والمالية"

إجتماع الحكومة غير جائز لإقرار مشروع الموازنة

02 : 00

الحكومة المستقيلة تجتمع استثنائياً لدرس أهداف إغاثية محدّدة وملحّة

"حدود تصريف الأعمال في ظروف لبنان الصحيّة والمالية: كورونا والموازنة نموذجاً"، هو عنوان الدراسة التي أجرتها مؤسسة "JUSTICIA" للإنماء وحقوق الانسان.

وتطرقت الدراسة التي حصلت "نداء الوطن " على نسخة منها ونذكرها بإيجاز، "الى الفقرة /2/ من المادة /64/ من الدستور اللبناني التي نصّت على التالي: "لا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد إستقالتها أو إعتبارها مستقيلة إلاّ بالمعنى الضيّق لتصريف الأعمال".

وبالتالي "ولتفسير جواز اجتماع الحكومة المستقيلة من عدمه، تفيض وسائل الإعلام بآراء قيّمة تشرح مفهوم تصريف الأعمال على نحوٍ قانوني مجرّد. ولذلك ليس المطلوب الاستفاضة في السفسطائية القانونية Juridisme بل درس أهداف إغاثية محدّدة وملحّة وراء اضطرار حكومة رئيس الوزراء د. حسان دياب المستقيلة للاجتماع استثنائياً. وإن كان البعض يسأل لماذا لم يحدّد الدستور اللبناني مساحة تصريف الأعمال، فالإجابة تكمن ببساطة في أن تصريف الأعمال مرتبط بالضرورات الملحّة التي تمرّ بها البلاد في ظروف لم يكن ممكناً التكهّن بها. وعليه، تثبت دراستنا أن اجتماع الحكومة المستقيلة واجب عليها لمواجهة جائحة كورونا مثلاً لاتخاذ تدابير عاجلة سيلي بيانها، بينما هو غير جائز لإقرار مسودة مشروع قانون الموازنة وإحالته للمجلس النيابي، تبعاً للمبرّرات التي تملي كلاً من الموقفين المتمايزين ولو في معرض ظروف واحدة. وبمعنى أدقّ، ليست هذه الظروف الاستثنائية وحدها التي تحكم اجتماع الحكومة بل المبرّرات التي تكون أملتها هذه الظروف والتي تستوجب الاجتماع واتخاذ مقرّرات ضرورية لا تحتمل أن تترك لحكومة جديدة".

المبرّرات المانعة

فبالنسبة الى المبرّرات التي تمنع الحكومة الراهنة من إقرار مشروع الموازنة، عدّدتها الدراسة كما يلي:

1. "غياب الرقابة البرلمانية: تزول مسؤولية الحكومة تجاه مجلس النواب عند استقالتها، مما يضعها خارج نطاق رقابة المجلس الذي يفقد قدرته على سحب الثقة منها. لذلك من البديهي الحدّ من صلاحيات الحكومة المستقيلة. ولا يُردّ على ذلك بالقول ان حكومة رئيس الوزراء السابق ميقاتي قد مثلت أمام المجلس، فما بني على باطل هو باطل. أما إقرار مشروع الموازنة من حكومة ما قبل الطائف فلا ينسحب على دستور ما بعد الطائف الذي جاء يقصر تصريف الأعمال على "المعنى الضيّق".

2. توافر بدائل دستورية: عرّف اجتهاد لمجلس شورى الدولة "الأعمال الجارية" بالأعمال الملحة الضاغطة والتي لا تحتمل الإرجاء لحين تأليف الوزارة الجديدة، والتي بسبب ضرورتها تستوجب اتخاذ قرارات فورية أو تكون مقتصرة على تنفيذ الإدارة اليومية، "من دون أن تنطوي على صعوبات خاصة أو على أي خيار" لا يؤثر في المستقبل. هل ينطبق ذلك على إقرار مشروع قانون الموازنة؟! بالطبع لا، فثمّة خيار آخر على مرارته هو إتّباع القاعدة الإثنتي عشرية التي عاش لبنان في ظلّها سنين طويلة، والتي كان جاء النص عليها في قانون المحاسبة العمومية تحوّطاً للتأخير الحكومي.

3. عدم ترتيب أعباء يجب تركها للحكومة القادمة: الموازنة عمل سنوي يتضمّن رسوماً وضرائب واعفاءات وتسويات وأعباء ليس بوسع حكومة مستقيلة فرضها وتحميلها لحكومة تخلفها. وهذا ما يستفاد من الإجتهاد الإداري الذي يرفض كل عمل صادر عن حكومة مستقيلة يرتّب أعباء وموجبات جديدة على الحكومة التي ستخلفها، وكل عمل يرمي إلى تحديد سياسة البلاد المستقبلية. فحتّى ولو أخذنا بالمفهوم الواسع لتصريف الأعمال، فحسب الإجتهاد الفرنسي تبقى الموازنة من فئة المحظورات على حكومة مهمتها الوحيدة تصريف الأعمال.

4. الموازنة هي الوجهة الاصلاحية لحكومة آتية لا لحكومة مغادرة: الموازنة يجب أن تعكس الخطة الاصلاحية والرؤية التصحيحية والانمائية التي ستعكف الحكومة الجديدة على تنفيذها في ضوء متطلّبات التوافق مع صندوق النقد الدولي على برنامج انقاذي للتعافي الاقتصادي. وإلا فما معنى إذاً لموازنة جديدة لم تعد في مفهوم علم المالية العامة الحديث تقتصر على حسبة الايرادات والنفقات؟

5. تجنّب الإحراج: اجتماع الحكومة المستقيلة لإقرار مشروع الموازنة من شأنه أن يحرج الحكومة الجديدة. وهل ننسى مشهد حكومة د. دياب في مجلس النواب وهي تتبنّى موازنة حكومة سابقة لا ناقة فيها ولا جمل؟

6. عدم تشريع الفراغ: لعلّ أبرز الأسباب التي تحدو لمعارضة اجتماع الحكومة المستقيلة بغية إقرار مشروع الموازنة، أن الذهاب إلى هذا الخيار يعني إقراراً بانتفاء الحاجة إلى حكومة جديدة وتكريس تصريف الأعمال إلى فترة أطول. فلماذا تشكيل حكومة جديدة إذاً؟".التجارب المقارنة عرضة للنقد

ولفتت الى أنه "من الأسهل على القائمين بالبحث أن يلاقوا سائر الآراء الدستورية والتجارب السابقة وتالياً أن ينحوا باتجاه تخويل الحكومة المستقيلة اقرار مشروع الموازنة. لقد حصل بالفعل أن اجتمعت حكومة مستقيلة في لبنان لهذا الغرض كما صار بيانه (1969). وهكذا حصل في بلجيكا (2011 مثلاً). إلاّ أن تعبير المرجع الدستوري البلجيكي المعارض لمثل هذا الجنوح الدستوري Christian Behrendt يشكّل أفضل إستدراك ينسحب على حالة لبنان عندما يقول: "هذه إحدى ركائز قانوننا الدستوري. لطالما درّست في محاضراتي أن هذا غير مسموح به (اقرار حكومة تصريف الأعمال مشروع الموازنة)... أحد الإمتيازات الأساسية لحكومة كاملة الصلاحية هو الموازنة تحديداً! فإذا أقرّينا الآن لحكومة تصريف الأعمال بجواز إعداد الموازنة، فماذا يبقى من فارق بينهما؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.