جواد الصايغ

السويداء ودمشق... أبعد من الجغرافيا

4 دقائق للقراءة
لا يوجد تفاوض مباشر بين السويداء ودمشق

كثُر الحديث في الأيام الأخيرة عن وجود تفاوض مباشر وسرّي بين الحكومة السوريّة ومحافظة السويداء في الجنوب السوري، ممثّلة بإدارتها المدعومة من الرئيس الروحي لطائفة الموحّدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، التي تتولّى مسؤولية الإشراف على تسيير أمور المحافظة.

الأخبار التي انتشرت على نطاق واسع تناولت ملف إعادة السويداء إلى سلطة دمشق، بعد أكثر من عام على المجازر التي وقعت في تموز 2025، ودمج عناصر "الحرس الوطني"، الذي يُعدّ القوّة العسكرية في المحافظة الجنوبية، في وزارة الدفاع السورية، بالإضافة إلى دمج الموظّفين المدنيين وإعادة ربط المؤسّسات المحلّية بالوزارات السورية.

وبغضّ النظر عن المغزى والهدف من نشر هذه الأخبار، مع الإشارة إلى عدم صدور بيانات رسمية سورية تنفي أو تؤكّد صحّة ما ورد، إلّا أن الواقع في مكان آخر، بحسب مصادر خاصة؛ فما حصل في المحافظة لم يعد شأنًا محلّيًا منذ محاولة الجيش السوري السيطرة عليها، مع تدويل القضية بفعل تدخّل الدول الإقليمية على خط الصراع.

تشير المصادر إلى أنه "لا يوجد أي تفاوض مباشر مع دمشق، وإنما هناك تواصل غير مباشر عبر طرف ثالث، دولي في معظم الأحيان، وتحديدًا أميركي، وإقليمي في أحيان أخرى. ويُمثّل المحافظة المكتب الخارجي للهيئة الروحية، ويهدف إلى تذليل العقبات أمام حلّ مسائل حياتية أساسية، لا أكثر ولا أقلّ، تمامًا كما حصل مطلع العام الحالي في عملية تبادل الأسرى الجزئية بين دمشق والسويداء برعاية الولايات المتحدة".

التواصل غير المباشر حاليًا، بحسب المصادر، يتمحور حول نقاط معيّنة، يأتي على رأسها "حلّ ملف المغيّبين قسرًا، وفتح مقابر جماعية موجودة في درعا وريف دمشق، يُعتقد أنها تضمّ رفات مدنيين دروز قُتلوا أثناء هجوم تموز، مع الصعوبات والمعوّقات التي يواجهها هذا الملف بفعل الحاجة إلى إجراء فحوصات لتحديد هويات الأشخاص الذين دُفنوا".

ملف البلدات القابعة تحت سيطرة قوّات دمشق يُشكّل، هو الآخر، مادة أساسية في التفاوض غير المباشر. فدمشق تريد عودة المهجّرين، الذين غادروا بعد إحراق منازلهم، إلى هذه البلدات مع استمرار السيطرة عليها، أمّا مطلب المحافظة فيتمثّل في ضرورة خروج الجماعات العسكرية والعشائرية الموجودة فيها من أجل خلق بيئة آمنة تُمهّد لعودة المهجّرين.

وشكّل الملف التربوي عقدة كبيرة في الأشهر الأخيرة، مع حرمان أكثر من 10 آلاف طالب من التقدّم إلى امتحاناتهم بعد إعلان وزارة التربية والتعليم السورية، في منتصف أيار 2026، قرارها نقل مراكز امتحانات الشهادات العامة (التعليم الأساسي والثانوية العامة) لطلاب محافظة السويداء إلى محافظتَي دمشق وريف دمشق، بناءً على توجيهات الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، عوضًا عن إجراء الامتحانات داخل المحافظة، رغم المخاطر المترتّبة على خروج الطلاب إلى مناطق بعيدة، في ظلّ الشرخ الكبير بين العاصمة والسويداء. لكن يبدو أن هذه العقدة سلكت طريق الحلّ بعد إصدار الرئيس السوري أحمد الشرع مرسومًا يقضي بفتح دورة استثنائية لطلاب السويداء تخوّلهم التقدّم إلى الامتحانات في المحافظة.

ماذا عن دمج "الحرس الوطني" في الجيش السوري؟ وهل يتكرّر نموذج الشمال الشرقي في الجنوب؟ في هذا السياق، تقول المصادر إن "الجغرافيا التي شكّلت عاملًا سلبيًّا لـ "قسد"، بفعل اعتبار المنطقة التي تُسيطر عليها، أي الشمال الشرقي، واقعة تحت نفوذ الأمن القومي التركي، تشكّل عاملًا إيجابيًّا لـ "الحرس الوطني"، بفعل وقوع المنطقة الجنوبية تحت تأثير الأمن القومي الإسرائيلي، بحسب المتعارف عليه الآن، وبالتالي فإنّ الأمور العسكرية والأمنية في هذه المنطقة ترتبط بشكل حصري بإسرائيل".