رفيق خوري

أم المشاكل "تفكيك" المجتمع

4 دقائق للقراءة
تفكيك المجتمع هو ضمان للامتناع عن بناء دولة ( أرشيف)

مشكلة لبنان هي تراكم المشاكل القديمة والجديدة على اللبنانيين حاملي الأثقال، الموعودين بيد تريحهم، والمهددين بيد تزيد أحمالهم. بعض المشاكل عصي على الحلول ولا بد من التعايش الصعب معه. وبعضها الآخر تتأخر التسويات فيه وتحتاج أحيانًا إلى أزمات وحروب، فإذا جاءت التسوية تكون ناقصة وموقتة وغير مرضية للجميع، بحيث تنتهي التسوية وتبقى الأزمة. والبارز على السطح حاليًا كثير وخطير: سلاح بلا إصلاح، سطوة القديم على الجديد، وحرب من أجل إيران أعطت إسرائيل فرصة لتوسيع الاحتلال. لكن أم المشاكل والأخطر هي الذهاب إلى النهاية في "تفكيك" المجتمع إلى أصوله في مرحلة ما دون الدولة. تفكيك من دون معاودة الجمع على عكس آراء جاك دریدا ونظریات التفكيك في النقد الأدبي والاجتماعي والسياسي لجهة عزل العناصر لتحديد الأخطاء والنواقص ثم إعادة الجمع.

ذلك أن النظام الطائفي المشكو منه قبل الاستقلال وبعده، كان يدار بالعمل ضمن مساحة وطنية مشتركة بين الطوائف، بصرف النظر عن كونها ضيقة قليلا أو كثيرًا. أحزاب اليسار علمانية. أحزاب اليمن وتكتلاته كانت عابرة للطوائف: الكتلة الدستورية، الكتلة الوطنية، النهج الشهابي والحلف المعارض، والكتل النيابية المستقلة. والحكومات يتم تشكيلها بما يعكس القوة السياسية لكل تكتل، بحيث يعين زعماؤه وزراءهم من كل الطوائف. حتى بعد الطائف، فإن حكومات الحريري والحص وكرامي كان رؤساؤها والوصي السوري يختارون ممثلين لهم من كل الطوائف. لكن اللعبة تغيرت في زمن الوصاية الإيرانية وهيمنة "الثنائي الشيعي". فالمسار الذي رسمه اتفاق الطائف للانتقال من دولة الطوائف إلى الدولة المدنية، قادت الممارسة إلى عكس تمامًا: الانتقال من الطائفية إلى المذهبية.

أكثر من ذلك، فإن كل طائفة بدأت تعمل على انتخاب نوابها، وصارت تحصر اختيار وزرائها بزعامتها. لا بل أن كل طائفة صارت تختار، بعد وزرائها، قضاتها وضباطها وسفراءها ومديريها وبقية موظفيها. ولا حصرية في العلاقات لجهة التعامل بين لبنان ودول العالم من دولة لدولة، إذ لكل طائفة علاقاتها الخارجية مع العواصم الممكنة: من واشنطن وباريس وموسكو وبكين إلى دمشق وطهران وبغداد

والرياض وقطر والإمارات العربية. وكما في السياسة كذلك في الإعلام وتفرغ أساتذة الجامعة اللبنانية. حتى الاحتفالات الدينية، فإنها صارت تبدو أحيانًا، كأنها من مظاهر التحدي الداخلي ورفع الأسلحة. وحتى تشكيل وفد من ستة طوائف للتفاوض مع إسرائيل بناء على مبادرة الرئيس جوزاف عون، فإن تعيين ممثل يحتاج إلى زعامة طائفتة.

وبكلام آخر، فإن الطوائف توقفت عن كونها "مكونات"في وطن وشراكة وطنية. وبدت مثل "كيانات"مستقلة متجاورة في أرض واحدة. والشراكة الوطنية ليست شراكة بمقدار ما هي قتال على كعكة تريد كل طائفة أكبر حصة فيها. صحيح ما يقال من أن العلاقات بين الطوائف كانت نوعًا من الخوف المتبادل المغطى بکثير من المجاملات والنفاق المشترك. لكن الصحيح أيضًا أن تردي السلوك الطائفي الیوم وصل إلى حدّ من الانحدار في المسار لا سابق له. فلسنا حتى في فدرالية طوائف بل في كونفدرالية أمراء بلا ضوابط. وإذا كان بقاء السلاح في يد "حزب الله"وصفة لعسكرة الشيعة وعرقلة أي بناء لدولة فعلية، فإن تفكيك المجتمع هو ضمان للامتناع عن بناء دولة ولو انتهى السلاح بحصرية الدولة. والأسئلة المطروحة في النقاش أساسية: هل نحن في أزمة حكم أم أزمة نظام أم أزمة رجال دولة أم أزمة ولاء وطني؟ والأجوبة، مهما تکن، تبقى نظرية. فلا فصل في لبنان بين ما هو داخلي وما هو خارجي. ولا مخرج من الأزمة البنيوية من دون العودة إلى الحل الطبيعي والوحيد، ولو كان صعبًا: دولة مواطنة مدنية تولد على أيدي الذين سبقهم أرسطو منذ أكثر من ألفي سنة بالقول: "الدولة جماعة مواطنين عاقلين أحرار لا جماعة مؤمنين".