صدر عن "دار سائر المشرق" في بيروت كتاب بعنوان "لعلّك تُشبهني... شيءٌ مشترك" للكاتب أحمد الهواري. الكتاب دعوةٌ هادئة للتأمل في الإنسان؛ في ما يجمعه بالآخرين أكثر مما يفرّقه عنهم. ومن خلال نصوصٍ تتراوح بين التأمل والسرد، وبين الذاكرة والتجربة، يسعى الكاتب إلى الاقتراب من ذلك "الشيء المشترك" الذي يجعلنا، رغم اختلاف الحكايات والوجوه والأمكنة، أكثر تشابهًا مما نظن. تنشر "نداء الوطن" مقتطفَين، يبحث الأول عن التوازن وسط تناقضات النفس، والثاني يتأمل معنى القرب والانتماء وقيمة أن يحافظ الإنسان على ذاته من دون أن يفقد إنسانيته. وبين النصَّين، يبقى السؤال مفتوحًا: ما الذي يجعلنا، رغم اختلاف الحكايات والوجوه، أكثر تشابهًا ممّا نظن؟
النفس وما بينها
لم أكن أبحث عن بطلٍ في هذه الحكاية، لأنني كنت أعيشها. كنت أكتشف باكرًا أن الحياة لا تُقدَّم لنا في صورةٍ واحدة، بل في ازدواجٍ دائم: الشيء ونقيضه. في العمل، في العلاقات، في الأحلام، وحتى في داخل الإنسان نفسه.
كنت أظنّ أن الصراع خارجي، ثم أدركت أنه يبدأ من التصوّرات التي تتكوّن في العقل، تصوّراتٍ شكّلها المحيط، وتأثّرت بالأمل، والإيمان، وبالتجارب التي لم تكتمل.
كأن النفس خُلِقت في حالة تيهٍ دائم، لا يستقيم ميزانها بسهولة، ولا يهدأ اضطرابها إلا بالحلم، والإصرار، والانضباط. ثلاثيةٌ لا تُنقذ الحياة، لكنها تجعلها ممكنة، ومع الوقت، راودني السؤال: لماذا نُصرّ على رؤية الشيء ونقيضه وكأنهما خيرٌ وشرّ؟ لماذا لا نراهما مكمّلَين لتجربة إنسانية واحدة، أو لشخصية تحاول أن تصل إلى برّ الأمان بين الطاعة والرضا؟
إنها قصص نعرفها، ونتجاهلها، رغم أنها جزءٌ أساسي من تكوين الذات. قصص التناقضات التي لا نعلم كيف بدأت، ولا متى استقرّت فينا.
هل هي معلّقة بالعمر؟ أم بالتجربة؟ هل هي مرتبطة بالإيمان أو بغيابه؟ أم أنها معلّقة بكل شيء ونقيضه في آنٍ واحد؟ هل هي صراع النفس مع النفس؟ أم صراعها مع المجتمع؟ أم مع وسواسٍ يتخفّى بأشكالٍ كثيرة، إن كان داخليًا أو خارجيًا؟
هناك إجابات كثيرة ممّن سُمّوا مقتدرين على التفسير، لكن من يضمن أن تفسيراتهم كانت صحيحة؟ ومن قال إن الحقيقة واحدة، أو أن طريقها مستقيم؟
وسط هذا الزحام، تعلّمت أن الإنسان قادر على التمرّد، لا صخبًا، بل وعيًا. يتمرّد حين يكتشف أن واقعه لا يشبهه، وأن القبول الأعمى لا يصنع حياةً أفضل، بل يجمّدها. بعضنا يصنع سعادته من التأقلم والرضا، وبعضنا لا يهدأ إلا حين يوسّع الحلم، وكأن التمرّد في الأحلام مُشرَعٌ لقِلّة، ومغلقٌ في وجه آخرين. وهنا يبرز سؤالٌ آخر: كيف يصبح الانضباط وسيلةً لا أملا، وطريقًا لا حلمًا مؤجلا؟ كيف يتحوّل من فكرةٍ جميلة إلى ممارسةٍ يومية، ومن شعارٍ معلّق إلى فعلٍ صامت؟ ومن يضع معاييره؟ أهي النفس حين تعبت من الفوضى؟ أم المجتمع حين فرض إيقاعه؟ أم التربية الدينية حين علّمتنا أن الاستقامة فعلٌ قبل أن تكون نيّة؟ أم الأمل حين ضاق بالانتظار؟ أم الألم حين لم يترك لنا خيارًا آخر؟
لعلّ الانضباط لا ينشأ من مصدرٍ واحد، بل من تلاقي كل ذلك في لحظة صدقٍ نادرة؛ لحظة يقرّر فيها الإنسان أن يتوقّف عن تبرير التراجع، وأن يبدأ... لا لأن الطريق واضح، بل لأن الوقوف لم يعد ممكنًا.
فالانضباط ليس قسوةً على النفس، ولا سجنًا لها، بل اتفاقًا داخليًا على الاستمرار، وعلى الإنجاز مهما كان بسيطًا. هو الإصرار حين يخفت التصفيق، وحين يغيب الشهود، وحين لا يبقى سوى الإنسان ونفسه.
ومع كل هذه الصراعات الداخلية والخارجية، ومع كل هذه التناقضات، تبقى الحقيقة الأوضح: الصورة التي ترسمها أنت لنفسك، ولمن حولك، ولمستقبلك، ولعلاقاتك، هي ذاتها التي ترسم حياتك. فبين الندم والأمل، وبين الصبر والإصرار، يبقى الانضباط مفتاحًا صامتًا لكلّ ما بينهما.
حين لا يكفي القرب
في الأماكن التي نولد فيها، لا نبدأ من الصفر، بل من حكمٍ سبق. الأسماء تُقال قبل أن نكبر، والأدوار تُوزَّع قبل أن نفهم اللعبة. هناك، لا يُسأل الإنسان عمّا يستطيع، بل عمّا اعتادوه منه.
القرية تبدو هادئة من الخارج، كأنها اتفاقٌ جماعي على الطمأنينة، لكن تحت هذا الهدوء تعمل مقاييس غير معلنة: من يُرفَع، ومن يُترك في الظل؟ ولماذا يُكافَأ الخطأ أحيانًا إذا خرج من الشخص المناسب؟
في هذه الأماكن، القرب لا يعني الاعتراف، والنيّة لا تحمي صاحبها، والصبر الطويل قد يتحوّل من فضيلة إلى طريقة بطيئة لخسارة العمر. ليس كلّ من بقي كان وفيًّا، وليس كلّ من رحل كان جاحدًا؛ فبعض الرحيل تأخيرٌ للانكسار، وبعض البقاء استنزافٌ صامت لما كان يمكن أن يكون. هنا تبدأ الحكاية.
كان كريم ابن القرية كما يكون الظلّ ابن الجدار؛ حاضرًا دائمًا، ومفترضًا دائمًا، وغير مرئي. يعرف الطرقات قبل أن تُسمّى، ويعرف الناس قبل أن يعرّفوه بأنفسهم. في الأماكن الصغيرة، المعرفة المسبقة ليست نعمةً دائمًا؛ إنها حكمٌ نهائي لا يُستأنف.
كان كريم يرى ما لا يُقال: إن القرية لا تُقصي أحدًا عمدًا، لكنها ترفع من اعتادت رفعهم، وتُهمل من ظنّت قيمته مضمونة. لم يكن أقلّ منهم، ولا أكثر ادّعاءً؛ كان مختلفًا في توقيته، وفي طريقته، وفي إيمانه أن المحاولة تستحق أن تُعاش حتى إن لم يصفّق لها. حاول أن يكون جزءًا من كل شيء. قال لنفسه: إنّ القرب أمان، وإنّ الانتماء أولى من المجازفة.
لم يُرد أن يُغضب أحدًا، ولا أن يُشعرهم أنه أفضل. مع كل تنازلٍ صغير، كان يخسر شيئًا لا يُستعاد: الوقت.
لم ينتبه متى صار يؤجّل نفسه بحجج أخلاقية، ولا متى صار الندم ضيفًا صامتًا لا يغادر. في القرية، لم يُرفض كريم مرةً واحدة؛ رُفض بالتقسيط.
كلّ فكرةٍ قيل لها: "الحقّ"، وكلّ جهدٍ ذاب في المجاملة، وكلّ إنجازٍ صُغّر لأنه خرج من شخص مألوف. الغريب يُدهش أسرع من القريب، لأن القرب يُفقد الدهشة.
كان شديد الارتباط بهم، هذا الارتباط جعله يقول: لا بأس... لماذا أُجبر نفسي على أن أكون أولوية؟ لماذا لا أذوب أكثر، وأصمت أكثر، وأنتظر؟ ظنّ أن الصبر فضيلةٌ بلا حدود، وأن البقاء وفاء، وأن التضحية بالنفس دليل نقاء.
لم يُخطئ في ثقته بالله، لكنّه أخطأ حين نسي أنّ الإيمان لا يطلب إلغاء الذات؛ فالزمن لا يحترم النيّات، يمضي فقط. مرّ بهدوءٍ مخادع، وسُرقت المغامرة من دون ضجيج، حتى كادت قصته – رغم صدقها – أن تصبح عادية، وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لإنسان؛ كان قادرًا على أن يُحدث فرقًا.
في مساءٍ طويل، قال كريم لأمه إنه متعب. لم تسأله لماذا، ولم تُسهب. نظرت إليه طويلا، ثم قالت: "اللي بيضيّع حاله كرمال الكل... ما بيلاقي حدا وقت يرجع يدوّر عليه".
كانت الجملة أبسط من أن تُناقش، وأثقل من أن تُنسى. عندها فهم أن خسارته لم تكن رفضهم، بل الوقت الذي مضى بلا اعتراف بقيمة المغامرة، وبلا حماية لذاته.
رحل كريم لا غضبًا ولا كرهًا، بل فهمًا؛ فهم أن بعض الأماكن لا ترى أبناءها إلا من بعيد، وأن المسافة ليست خيانة، بل إعادة تعريف.
في الغياب، تعلّم أن القيمة لا تُمنح بل تُبنى، وأن الصوت لا يحتاج جمهورًا ليكون صادقًا. كبر هناك لا بالحجم، بل بالثبات؛ صار أقسى على الوهم، وألين على نفسه. تعلّم أن يكون أولوية من دون أن يفقد إنسانيته، وأن النجاح يبدأ حين يتوقّف المرء عن تصغير نفسه. وحين عاد – إن عاد – عاد مختلفًا. الوجوه ذاتها، والمكان ذاته، لكن النظرة تغيّرت؛ ليس لأنهم تغيّروا، بل لأن المسافة صنعت له حجمًا لم يستطيعوا إنكاره.
تقبّلوه أكثر، لا لأنهم فهموه، بل لأنهم لم يعودوا قادرين على التقليل من شأنه، والمفارقة المؤلمة أن أعظم ما قدّمه لهم وهو بينهم لم يروه، وأن أسوأ ما فعلوه به كان وهمهم أنهم يملكون ميزان القيمة.
في "شيء مشترك"، ليست هذه حكاية قريةٍ بعينها، ولا قصة رجلٍ واحد، بل تجربة تتكرّر. رسالة واضحة لأصحاب العقول الناقدة والأرواح الطامحة: ثق بالله، واحمل نيّتك بصدق، لكن لا تنسَ نفسك. فأن تكون أولوية ليس أنانية، بل شرطًا للنجاح، ومن نسي نفسه باسم الانتماء، خسر الانتماء والذات معًا.
