ريتا عازار

"ما معي مصاري" قالها وهو يطلب "سفينة سوشي"

6 دقائق للقراءة

أن تكون غنيًّا في لبنان، هذه الأيام، له مفهوم خاص جدًا. فالغنى لا يُقاس بعدد الأمتار المربعة، ولا بعدد السيارات، ولا بحجم الأرصدة المصرفية في جنّات الأموال، بل يُقاس بأمور أكثر دقة، مثل عدد المرات التي تقول فيها إنك لا تملك المال، بينما كنت قبل قليل قد طلبت كوب قهوة بستة دولارات، أو بمدى سهولة نطقك لعبارة: "خلّينا ناكل شغلة صغيرة بس"، قبل أن تجد نفسك جالسًا في مطعم تبدو قائمة الطعام فيه بأكملها وكأنها صُمِّمت خصيصًا لتدمّر مستقبلك المالي.

الغنى في لبنان، قبل كل شيء، وجهة نظر. يمكن أن تملك شقة، وتقود سيارة حديثة، وتضع نظارات شمسية يساوي ثمنها راتبًا شهريًّا لموظف، وتسافر إلى باريس ثلاث مرات في السنة، ومع ذلك تشرح لأصدقائك أنك تمرّ بظروف مالية صعبة، ولن يضحك أحد، بل سيفهمك الجميع، لأننا جميعًا أصبحنا خبراء في فن اعتبار أنفسنا فقراء، ولكن برفاهية كبيرة.

لقد طوّر اللبناني علاقة شديدة الإبداع مع المال. فهو لا يقول أبدًا وبصراحة إنه غني. فهذا سيكون نوعًا من الفوقية وقلّة الذوق. بل يفضّل أن يقول إنه "عم يدبّر حاله"، أو إنه "عم ينتبه"، أو إنه "ما عاد يصرف متل قبل"، ثم يطلب السوشي لاثني عشر شخصًا. والأكثر إثارة للدهشة أن أحدًا لا يرى في ذلك أي تناقض.

في لبنان، قد تسمع شخصًا يقول، بصدق يلامس القلب: "والله ما معي مصاري"، قبل أن يركب سيارة ثمنها أغلى من ثمن أول شقة تخيّلتُ أنني سأمتلكها. وبالطبع، لا عيب في أن تكون غنيًّا؛ هناك فقط بعض الحرج من أن يعرف الآخرون أنك غني، في هذا الزمن "الملعون".


عملة قياس الرفاهية

لذلك، فالأناقة الحقيقية تكمن في أن تكون غنيًّا بهدوء ومن دون استعراض، وأن تعطي في الوقت نفسه انطباعًا بأنك تعاني ماليًا مثل الجميع. يكاد الأمر يكون فنًّا. عليك أن تعرف كيف تشتكي بدقة. ينبغي أن تقول إنّ الحياة أصبحت مستحيلة، وإنّ الأسعار انفجرت، وإنّ كل شيء صار يكلّف ثروة، وحتى الخروج لشرب فنجان قهوة أصبح رفاهية... ثم عليك أن تخرج لتشرب القهوة. وهذا مهم. وإلا فلن يصدّق أحد أنك تعاني. القهوة، بالمناسبة، أصبحت نوعًا من العملة اللبنانية. في السابق، كنا نقارن الأشياء بأسعارها. أما اليوم، فنقارنها بما كان يمكن أن نفعله بستة دولارات.

ستة دولارات؟ قهوة.

عشرون دولارًا؟ قهوة وشيء نقرمشه.

أربعون دولارًا؟ سهرة ستدّعي في اليوم التالي أنك لم تنفق فيها شيئًا تقريبًا.

ومئة دولار؟ سهرة لن تتحدّث عنها بصوت مرتفع، لأنّ عليك المحافظة على قدر من الانسجام مع خطابك اليومي عن الأزمة الاقتصادية.

وثمّة أيضًا فئة لبنانية بامتياز: الأشخاص الأغنياء الذين يعيشون في رعب دائم من أن يصبحوا فقراء! يملكون منزلا، ومدّخرات، وأحيانًا عقارات عدّة، لكنهم ينظرون إلى كل فاتورة وكأن النادل جاء ليخبرهم بأن الدولة صادرت أملاكهم. "قدّيش حقّو هيدا؟ عشرة دولار. عشر دولارات على هيدا؟!" وغالبًا ما تُقال هذه الجملة على لسان شخص أنفق قبل دقائق ثلاثمئة دولار في السهرة نفسها، لكن الدولارات العشرة مختلفة، إذ تمثّل مبدأ، أما الثلاثمئة دولار فتمثّل تجربة. وينبغي أن تعرف كيف تفرّق بين الاثنين.


قديش دفعت؟

والغنى اللبناني الحقيقي هو أيضًا أن تتمكن من دفع ثمن شيء من دون أن تنظر إلى سعره، ثم تسأل شخصًا آخر فورًا: "قدّيش دفعت عليه؟" هذا الفضول جزء عميق من ثقافتنا: تشتري كنبة، فيريد أحدهم أن يعرف ثمنها. تغيّر سيارتك، فيريد أحدهم أن يعرف كم دفعت. تستأجر شقة، فيريد أن يعرف قيمة الإيجار. تسافر في إجازة، فيريدون أن يعرفوا إلى أين، ومع من، وفي أي فندق، وكم ليلة، وخصوصًا: كم دفعت؟

لكن انتبه، لا أحد يسأل ليحكم عليك. كلنا نسأل من أجل إجراء الحسابات. حسابات جدية، صامتة، وغالبًا ما ترافقها عقدة حاجب خفيفة: "عن جد دفعت هالقد؟" وفجأة، تدرك أنك خسرت المحاكمة الاقتصادية لحياتك الخاصة. واللبناني يحبّ الرفاهيّة أيضًا، شرط أن يجد تفسيرًا يثبت أنه ليس مسؤولا عنها فعلا: المطعم كان "عزيمة"، السَّفرة كانت هدية، السيارة كانت صفقة ممتازة، والشقة ملك للعائلة. أما الحقيبة، فكانت عليها حسومات. كل شيء دائمًا عليه حسومات! وأحيانًا أشعر أن لبنان هو البلد الوحيد الذي يمكن فيه لامرأة أن تحمل حقيبة باهظة الثمن جدًا، ثم تقول بكل ثقة إنها اشترتها "عن جد بالرخص"، ولا أحد يسأل كم كان سعرها قبل الحسم، فهذه مسألة احترام.


المغترب مموِّل السهرات

هناك أيضًا ما يمكن تسميته "رفاهية المغترب"؛ فاللبناني الذي يعيش في الخارج شخصية تستحق التأمل. قد يعمل اثنتي عشرة ساعة يوميًا، ويدفع إيجارًا خياليًا، ويكون منهكًا تمامًا، ومع ذلك، ما إن يصل إلى بيروت حتى يتحوّل إلى شخص "عايش منيح". يعود ومعه بعض العطور، وزوج من الأحذية، وحقيبة مليئة بالهدايا. خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، تعرف العائلة كلّها أنه وصل. وخلال أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة، يكون قد تلقى نحو خمس عشرة دعوة. وخلال أقل من أسبوع، يقول له أحدهم إنه "تغيّر".

لقد تغيّر لأنه دفع الفاتورة. هذا كل ما في الأمر. في لبنان، من يدفع الفاتورة يُرقّى فورًا إلى رتبة الشخص الذي نجح في الحياة، حتى لو كان غارقًا في الديون حتى سنة 2047. والأطرف من ذلك أن هذا الهوس بالمال يتعايش مع كرم هائل.

يمكن أن نقضي عشرين دقيقة في نقاش حول من سيدفع خمسين دولارًا، وكل واحد يصرخ بأنه سيدفع، وكل واحد يتهم الآخر بأنه يريد أن يكون "كريم الجَمعة". ثم يُخرج أحدهم بطاقته، فيعترض الجميع: "لا، لا، خلّيها علييّ. ليش هيك؟ طيّب المرة الجاية علييّ". والمرّة الجايّة لا تأتي أبدًا، أو تأتي بعد ثلاثة أشهر في مطعم آخر، ومع شخص آخر سيدفع بدوره. هذا هو نظامنا المالي غير الرسمي. في الزمن الراهن، نحن لا ندّخر المال، بل نصنع وعودًا عاطفية بالسداد.


فاتورة وكرم وديون

ثم هناك الأغنياء الرسميون، أولئك الذين يعرف الجميع تقريبًا حجم ثرواتهم. هؤلاء يعيشون في عالم أكثر إثارة للاهتمام. يقال إن لديهم منزلا في بيروت، وآخر في الجبل، ومنزلا على البحر، وربما منزلا في مكان آخر، وأحيانًا شقة في لندن، وربّما عمّة في باريس، وابن خال في دبي. لكنهم أيضًا يشتكون، "يا ولدي"، لأنّ التضخم صعب على الجميع، حتى على شخص يملك أربعة منازل ويسافر درجة أولى. فالمعاناة ديمقراطية، تصيب الجميع، إنما ليس بالطريقة نفسها.

ربما لا يكون الغنى اللبناني حكاية مالية أصلا؛ ربما هو ببساطة أن تمتلك ما يكفي من التفاؤل لتنفق اليوم مالا لا تعرف بعد كيف ستكسبه غدًا. وعندما تفكّر في الأمر بجديّة، فهذا إمّا شكل استثنائي من الشجاعة أو مرض جماعي. أما أنا شخصيًا، فأفضّل ألا أعرف؛ سأذهب لأشرب قهوة.