حين استحضر رئيس الجمهورية جوزاف عون، من السفارة اللبنانية في واشنطن، تجربتَي "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" المعروفة بـ"فارك" والجيش الجمهوري الإيرلندي، لم يكن يلوّح بنزع سلاح "حزب الله" بالقوة، بل كان يمدّ إليه يد الحوار والتعاون، ويرسم طريقًا سلميًّا لإقفال الملف.
وسبق لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط أن اقترح استلهام التجربة الإيرلندية لمعالجة السلاح بالتفاوض والتدرّج، بعيدًا من الصدام الداخلي. لكن إلى أي مدى تصحّ مقارنة الحالة اللبنانية بالتجربتين؟ وهل يكفي جمع السلاح لإعادة تنظيم العلاقة بين "حزب الله" والدولة؟
السلاح آخر الطريق... لا أوّله
معايير الأمم المتحدة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، المعروفة بـDDR، أي Disarmament Demobilization and Reintegration، توفر إطارًا لفهم هذا المسار. فهي لا تتوقف عند تسليم السلاح، بل تشمل إنهاء الصفة العسكرية للمقاتلين وإعادتهم إلى الحياة المدنية والاقتصادية. والأهم أن نزع السلاح يبدأ بقرار سياسي قبل أن يصبح خطة عسكرية أو تقنية، ويحتاج إلى تسوية وضمانات وثقة متبادلة، وتمويل مستدام لإعادة الإدماج.
في كولومبيا، بدأت المفاوضات الرسمية مع "فارك" عام 2012، ووُقّع اتفاق السلام النهائي بعد أربع سنوات، وفي عام 2017 تسلّمت بعثة الأمم المتحدة 7132 قطعة سلاح فردي. لكن مجموعات منشقة رفضت الاتفاق وعادت إلى العمل المسلح.
أما في إيرلندا الشمالية، فأعلن الجيش الجمهوري الإيرلندي وقف إطلاق النار عام 1994، ووُقّع "اتفاق الجمعة العظيمة" عام 1998، فيما لم يُعلن تعطيل كامل أسلحته إلا في أيلول 2005، أي بعد سبع سنوات من الاتفاق، مع بقاء مجموعات منشقة خارجه.
تقول التجربتان إن نزع السلاح ليس قرارًا يُنفّذ بمهلة إدارية، بل حصيلة مسار سياسي وإصلاحي طويل. وفي لبنان، قد لا يكون المطلوب مجرد خطة لجمع السلاح، بل مسار يعيد بناء الثقة بين اللبنانيين وبين الطائفة الشيعية والدولة، من دون مكافأة حمل السلاح أو تكريس امتيازات عسكرية جديدة.
لبنان ليس كولومبيا ولا إيرلندا
في عام 2025، وضع "مركز الولاء للوطن للبحوث والدراسات"، الذي يضم ضباطًا متقاعدين متخصّصين، تصوّرًا لاستراتيجية دفاع وطني منبثقة من استراتيجية الأمن القومي، مستندًا إلى تجارب عالمية مع تكييفها وفق خصوصية الحالة اللبنانية.
يؤكد العميد الركن المتقاعد جان فرح أن نزع السلاح في لبنان لا يمكن أن يكون استنساخًا للتجارب الدولية، بل يحتاج إلى معايير تتلاءم مع الواقع المحلي. وانطلاقًا من معايير الأمم المتحدة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR)، طوّر "مركز الولاء للوطن للبحوث والدراسات" مقاربة PRAPI، أي "الاحتواء التدريجي للسلاح وإعادة الإدماج"، وفق خصوصية الحالة اللبنانية.
ويستعيد فرح تجربة عام 1990، حين حُلّت الميليشيات تطبيقًا لاتفاق الطائف ودُمج قسم من عناصرها في مؤسسات الدولة، معتبرًا أنها كانت عملية DDR متسرّعة افتقدت إلى معايير مستدامة، فنقلت المحاصصة والزبائنية إلى الأجهزة، فيما انخرط بعض من بقي خارجها في الجريمة والمخدرات.
والدرس، بحسب فرح، أن نزع السلاح لا يكفي وحده، بل يحتاج إلى مؤسسات بديلة للشبكات الطائفية، وإلى موافقة القوى المسلحة، وفي لبنان تحديدًا "حزب الله". وهنا يبقى الحل سياسيًا أكثر منه تقنيًا.
بدوره، يوضح رئيس الهيئة التنفيذية للمركز، العميد الركن الطيار المتقاعد أندره بومعشر، أن الدراسة قدّمت إطارًا أكاديميًا يأخذ في الاعتبار أن سلاح "حزب الله" ليس جزءًا من حرب أهلية أو نزاع داخلي، بل يرتبط بصراع إقليمي. ولذلك، يتطلب انتقال "الحزب" من العمل المسلح إلى السياسة مسارًا متكاملا، يقوم على موافقة المعنيين بتسليم سلاحهم، ويحتاج إلى تمويل كبير ووقت كافٍ لإعادة الإدماج. ويؤكد بومعشر أن هذا المسار وبالرغم من حتميّته يجب أن يتقدم بالتزامن والتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي، لا أن يُفرض استباقًا له.
لكن الفارق الجوهري أن مسارَي "فارك" والجيش الجمهوري الإيرلندي ارتبطا أساسًا بنزاعين ذوي جذور وأهداف محلية، فيما يقوم "حزب الله" على بنية عقائدية متينة تستند إلى ولاية الفقيه، ويتحرك ضمن شبكة إقليمية تقودها إيران، ولبنانية عناصره لا تعني حكمًا لبنانية القرار، بعدما ارتبط تمويله وتسليحه وتدريبه بطهران.
لذلك لا يحتاج لبنان إلى تسوية بين "الحزب" والدولة فحسب، بل إلى فك ارتباط السلاح بقرار الخارج. وإعادة الإدماج لا تعني إدخال البنية العقائدية لـ"الحزب" في الجيش أو إنشاء وحدات خاصة لمقاتليه، بل عودة الأفراد إلى المجتمع، وخضوع من تنطبق عليه شروط الانتساب للمعايير نفسها المطبقة على جميع اللبنانيين.
نجحت كولومبيا وإيرلندا في نقل الجسم الأساسي لتنظيمين مسلحين إلى السياسة. أما نجاح النموذج في لبنان، فيتطلب انتقال "حزب الله" من ذراع في مشروع إقليمي إلى حزب لبناني كامل. فالدولة لا تستعيد سيادتها عندما يصمت السلاح، بل عندما يصبح قرار استخدامه مستحيلا خارج مؤسساتها.