لم تعد العشيرة أو العائلة في بعلبك الهرمل مجرد امتداد اجتماعي للقوى السياسية، كما لم يعد ممكنًا قراءة مواقفها كلها من زاوية واحدة، أو اعتبار خطابها نسخة مطابقة لخطاب الأحزاب التي نجحت على مدى سنوات، في الدخول إلى مفاصل الحياة العشائرية والعائلية والإمساك بالكثير من مفاتيح رأيها واتجاهاتها. فالعلاقة بين الطرفين لا تزال قائمة، وفيها الكثير من التقاطعات، لكنها لم تعد بالضرورة تطابقًا كاملا في الأولويات.
لطالما كانت العشائر والعائلات جزءًا أساسيًا من البيئة التي احتضنت مشروع "حزب الله"، ولا سيما في مواجهة إسرائيل، دفعت من أبنائها، وقدمت شبابًا في المعارك، وتحملت أثمانًا مباشرة وغير مباشرة، ولم تكن المقاومة بالنسبة إلى كثير من العائلات والعشائر موقفًا عابرًا أو تفصيلا سياسيًا. غير أن المفارقة تتمثل ببدء العشائر والعائلات إنتاج خطاب خاص بها، يتقاطع أحيانًا مع "الحزب" ويختلف معه أحيانًا أخرى.
فالتحول الأوضح يظهر في مقاربة سوريا، فلم يعد التعاطي مع سوريا الجديدة بالنسبة للعشائر والعائلات قضية أيديولوجية فقط، أو مجرد ملف سياسي يُقرأ من منظار تحالفات "الحزب" و"محور الممانعة". فهناك جغرافيا مشتركة، وصلات عائلية، تداخل اجتماعي واقتصادي، روابط عائلية قديمة وعميقة، وحركة حدودية، ولذلك بدأ يظهر في خطاب أبناء المنطقة اتجاه نحو فتح قنوات وعلاقات مع سوريا الجديدة، والتعامل معها باعتبارها دولة جارة ومصلحة لبنانية، حتى لو كانت خياراتها السياسية لا تتطابق مع خيارات "الحزب".
وهنا لا يعني الأمر انقلابًا عشائريًا على "حزب الله"، بل بداية تمايز في الأولويات، فالعشيرة تستطيع أن تكون إلى جانب "الحزب" في مواجهة إسرائيل، وأن تحافظ في الوقت نفسه على حقها في بناء علاقة مختلفة مع سوريا الجديدة، وعلى حقها في مخاطبة الدولة اللبنانية مباشرة. والأهم أن خطاب الدولة بدأ يحتل مساحة متقدمة. فبعد سنوات كان فيها تأمين كثير من حاجات الناس يمر عبر الأحزاب وشبكاتها، بدأت العشائر ترفع صوتها للمطالبة بالدولة، بالإنماء، والتعيينات، وبحق أبناء بعلبك الهرمل في الوصول إلى الوظائف والمواقع الإدارية، ولا سيما الفئة الأولى.
وهنا لا يعني الأمر انقلابًا عشائريًا على "حزب الله"، بل بداية تمايز في الأولويات، فالعشيرة تستطيع أن تكون إلى جانب "الحزب" في مواجهة إسرائيل، وأن تحافظ في الوقت نفسه على حقها في بناء علاقة مختلفة مع سوريا الجديدة، وعلى حقها في مخاطبة الدولة اللبنانية مباشرة. والأهم أن خطاب الدولة بدأ يحتل مساحة متقدمة. فبعد سنوات كان فيها تأمين كثير من حاجات الناس يمر عبر الأحزاب وشبكاتها، بدأت العشائر ترفع صوتها للمطالبة بالدولة، بالإنماء، والتعيينات، وبحق أبناء بعلبك الهرمل في الوصول إلى الوظائف والمواقع الإدارية، ولا سيما الفئة الأولى.
هذه ليست مطالبة خدماتية عابرة، هي مؤشر إلى تغير في طريقة التفكير، فالعشيرة لم تعد تريد فقط من "حزب الله" أن يؤمّن لها حضورًا داخل الدولة، بل بدأت تخاطب الدولة نفسها وتطالبها بحصتها. والسبب أن هناك إحساسًا متزايدًا بأن وظيفة الأحزاب في حياة الناس ستتغير كلما استعادت الدولة وظائفها في الأمن والإدارة والحدود والتوظيف والخدمات. والمعادلة التي حكمت طويلا لم تعد مضمونة بالشكل نفسه: "الحزب" ليس بالضرورة الطريق الوحيد إلى الدولة، والدولة التي تستعيد حضورها قد تعيد ترتيب علاقة الناس بالأحزاب.
وعليه فإن "المقاومة" وإسرائيل لا تزالان في صلب وجدان العشائر والعائلات، ولم تخرجا من بيئتهما السياسية، ولم تتخليا عن مشروع "المقاومة"، لكنهما لم تعد تريدان أن تكون الأحزاب العباءة السياسية الوحيدة. هي تريد الحماية من إسرائيل، وتحافظ على علاقتها ببيئتها، لكنها تريد أيضًا دولة قوية، وعلاقة منظمة مع سوريا، ووظائف وتعيينات وإنماء، وأن يكون ابنها قادرًا على الوصول إلى الدولة من دون المرور دائمًا عبر الأحزاب.
في بعلبك الهرمل، لا يبدو أن العشيرة تغادر موقعها السياسي، بقدر ما تعيد رسم حدود هذا الموقع، فزمن الاصطفاف الكامل وراء خطاب واحد يواجه اليوم أسئلة جديدة فرضتها الدولة وسوريا والحدود والاقتصاد ومصالح الناس. وربما تكون الرسالة الأوضح أن العشيرة التي وقفت طويلا خلف "الحزب" في معاركه، تريد اليوم أن تقف إلى جانب الدولة في معركة أخرى: معركة تثبيت حق أبنائها في دولة لا تحتاج فيها المنطقة إلى وسيط كي تحصل على حقوقها.