في الثالثة والستين من عمره، لم يعرف نبيل يومًا ذلك التفصيل الصغير الذي يبدأ به نهار كثيرين: البحث عن مفتاح السيارة. منذ شبابه، تنقّل بسيارات الأجرة و"السرفيس" والحافلات، ومشى حين تسمح المسافة، حتى تحوّل ما بدأ بتأجيل تعلّم القيادة إلى أسلوب حياة. لم يقع في حادث، ولم يعلن خصومة مع السيارة، ببساطة، لم يحب القيادة، ثم اكتشف أن حياته تستطيع أن تمضي من دونها. لكن سؤال الآخرين لم يتوقف: "كيف وصلت إلى هذا العمر ولا تقود؟"، وكأن الرخصة ليست مهارة اختيارية، بل شهادة عبور إلى الاستقلال.
حين يصبح المقود معيارًا
حكاية نبيل ليست عن رجل لا يقود بقدر ما هي عن نظرتنا إلى من لا يقود. فالسيارة، وخصوصًا في مجتمع يعتمد بشدة على المركبة الخاصة، تجاوزت وظيفتها كوسيلة انتقال لتصبح رمزًا للقدرة والاستقلال وتدبير الشؤون الشخصية.
بنى نبيل مع الوقت نظامه الخاص، يعرف متى يطلب سيارة، ويحسب الوقت والكلفة، ويقارن ما يدفعه بما لا يدفعه ثمنًا لسيارة وتأمينها ووقودها وصيانتها. لكنه يعترف بأن الخيار ليس بلا ثمن، خصوصًا ليلًا أو في المناطق البعيدة. هنا يظهر الفارق بين عدم القيادة كاختيار، وبين تحوله إلى تبعية تحدّ من الحياة.
تعلّموا القيادة... ثم ابتعدوا عنها
وعلى الضفة الأخرى، تظهر فئة مختلفة، تمثّلها رنا، 28 عامًا. تعلّمت أصول القيادة وحصلت على رخصة، لكنها لا تقود فعليًا. تعرف كيف تتحكم بالسيارة وتقرأ الطريق، إلا أنها لا تشعر بالطمأنينة خلف المقود. ليست المشكلة في الجهل بالقيادة، بل في التوتر الذي تسببه كثافة السيارات، والدراجات التي تظهر فجأة، والطرق السريعة، والقيادة ليلًا، فضلًا عن الخوف من خطأ قد يرتكبه الآخرون.
تقول رنا لـ"نداء الوطن" إنها لا تشعر بأنها عاجزة عن القيادة، لكنها لا تجد نفسها مرتاحة حين تجلس خلف المقود. وتوضح: "أعرف أن أقود، وتعلّمت جيدًا، لكنني أشعر بتوتر كبير، وخصوصًا في الزحمة أو على الأوتوستراد. أكون مركّزة طوال الوقت على السيارات من حولي وعلى الدراجات التي قد تظهر فجأة، وأفكر دائمًا في أن خطأ شخص آخر قد يضعني في موقف لا أعرف كيف أتصرف فيه". لذلك، تفضّل في معظم تنقلاتها أن يقود شخص آخر، أو أن تستخدم سيارة أجرة متى كان ذلك متاحًا.
وتعترف بأن هذا الخيار مريح لها في كثير من الأحيان، لكنه لا يخلو من كلفة. ففي بعض المناسبات، تجد نفسها مضطرة إلى تعديل مواعيدها أو الاعتماد على الآخرين للوصول إلى مكان ما، فيما تصبح بعض المشاوير أكثر تعقيدًا مما ينبغي. ومع ذلك، تقول إنها لم تصل بعد إلى مرحلة تشعر فيها بأن عدم القيادة يعطّل حياتها بالكامل، وإن كانت تدرك أن استمرار الأمر قد يفرض عليها قيودًا أكبر في المستقبل.
حالة رنا تعكس نوعًا من الامتناع أكثر دقة من رفض القيادة أصلا: فهي "تستطيع" أن تقود، لكنها تفضّل ألّا تفعل. والفارق هنا أن العائق ليس تقنيًا، بل نفسي ومرتبط بالشعور بالأمان والثقة على الطريق. وقد يبقى الأمر خيارًا مريحًا ما دام لا يضيّق الحياة، لكنه يتحول إلى مشكلة حين تبدأ فرص عمل أو زيارات أو نشاطات بالضياع، لأن الطريق صار أكبر من الرغبة في الوصول.
"لا أريد" أم "لا أستطيع"؟
هنا تضع الاختصاصية النفسية كارول خوري الحد الفاصل: عدم القيادة في ذاته ليس اضطرابًا نفسيًا، ولا ينبغي تحويل كل من يفضّل المقعد الآخر إلى حالة تحتاج إلى علاج. الفارق هو بين من يقول "لا أحب أن أقود"، ومن يقول "أريد أن أقود، لكن خوفي يمنعني".
فالخوف قد يرتبط بفقدان السيطرة، أو ارتكاب خطأ، أو إيذاء الآخرين، أو السرعة والازدحام، وقد يظهر من دون حادث سابق. وفي مسح سكاني أُجري في نيوزيلندا، وصف 11.9 في المئة من المشاركين أنفسهم بأنهم قلقون من القيادة، فيما سجّل 16 في المئة مستويات متوسطة إلى شديدة من القلق على مقياس تفصيلي. وهي أرقام تظهر أن القلق من القيادة أوسع من الحالات التي تصل إلى مستوى "الرهاب" الواضح.
حين يصبح التجنب هوية
الأكثر إثارة نفسيًا أن قرارًا بدأ بالخوف قد يفقد، بعد سنوات، شكله الأصلي. فمن يتجنب القيادة طويلا قد لا يعود يقول "أنا أخافها"، بل "أنا شخص لا يقود"، لأنه أعاد بناء يومه حول هذا الواقع. وتوضح خوري لـ"نداء الوطن" أن سؤالًا بسيطًا قد يكون كاشفًا: لو اختفى الخوف والكلفة والظروف الخارجية، هل كنت ستختار القيادة؟
وهناك نمط ثالث: أشخاص قادوا سنوات ثم انسحبوا من المقود تدريجيًا، لا بعد حادث بالضرورة، بل بعدما صار الازدحام والاستنفار اليومي وكلفة التركيز أعلى من رغبتهم في الاحتمال. هؤلاء لا يخافون السيارة بقدر ما تعبوا من تجربة القيادة نفسها.
في لبنان... هل عدم القيادة ترف؟
هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا. ففي مدن تملك مترو وقطارات وحافلات منتظمة، يمكن الاستغناء عن السيارة من دون الاستغناء عن حرية الحركة. أما في لبنان، فالمعادلة مختلفة. فضعف النقل العام وتشتته جعلا المركبة الخاصة، بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين، أقرب إلى ضرورة يومية منها إلى خيار.
لكن لبنان ليس المثال الوحيد على أن علاقة الإنسان بالسيارة تصنعها المدينة بقدر ما يصنعها الفرد.
ففي فنزويلا، البلد الذي ارتبط طويلًا بالنفط والوقود المدعوم، تكشف تجربة كاراكاس مفارقة لافتة. فالاستثمار الكثيف تاريخيًا في الطرق والبنى المرتبطة بالمركبات لم يُلغ الحاجة إلى النقل الجماعي، بل نشأت إلى جانب الحافلات وسائل نقل مرنة عُرفت باسم "por puestos"، وهي سيارات أو مركبات صغيرة تقلّ عدة ركاب على خطوط محددة، في نموذج يذكّر إلى حد بعيد بـ"السرفيس" اللبناني. وتشير دراسات اللجنة الاقتصادية لأميركا اللاتينية والكاريبي إلى أن هذه الوسيلة تطورت أصلا لسدّ ثغرات في شبكة الحافلات في كاراكاس.
وتبدو المفارقة الفنزويلية مفيدة للبنان: وفرة الوقود، أو حتى رخصه، لا تعني بالضرورة أن السيارة الخاصة هي الوسيلة الوحيدة الممكنة، كما أن وجود أعداد كبيرة من السيارات لا يعني أن نظام التنقل ناجح. فالمدينة قد تكون ممتلئة بالمركبات، فيما يبقى جزء كبير من سكانها محتاجًا إلى وسائل نقل مشتركة كي يستطيع الوصول إلى عمله وحياته اليومية.
وعلى الطرف الآخر تمامًا تقف هولندا. هناك، لا يصبح عدم استخدام السيارة إعلانًا عن موقف منها، ولا دليلا على العجز عن قيادتها. فالدراجة تؤمّن نحو 27 في المئة من مجمل الرحلات، فيما تمتد شبكة مسارات الدراجات عشرات آلاف الكيلومترات، وتتكامل في المدن مع القطارات والحافلات والترام والمترو. والسيارة لا تزال حاضرة بقوة في البلاد، وخصوصًا في المسافات الطويلة، لكن الفارق أن المواطن لا يُدفع إليها في كل مرة يريد فيها مغادرة منزله.
وهنا يتغيّر معنى الحرية. ففي هولندا، قد يملك الشخص رخصة وسيارة، ثم يقرر أن يذهب إلى العمل بالدراجة أو القطار لأنهما أكثر ملاءمة. أي أن قراره بعدم القيادة في رحلة ما لا يحرمه من الحركة. أما في بلد ضعيف النقل العام، فقد تكون الرخصة والسيارة شرطًا غير مكتوب للمشاركة الكاملة في الحياة.
بين كاراكاس وأمستردام، إذًا، لا تتعلق المسألة بحب الشعوب للسيارات أو كرهها بقدر ما تتعلق بما تتيحه المدينة لسكانها. الأولى تذكّر بأن الاعتماد الكبير على المركبات لا يلغي الحاجة إلى بدائل جماعية، والثانية تبيّن أن السيارة تستطيع أن تبقى موجودة من دون أن تحتكر حق التنقل.
وفي لبنان تظهر المشكلة بوضوح أكبر. فالتخلي عن المقود قد يعني كلفة أعلى، وانتظارًا أطول، واعتمادًا أكبر على العائلة أو سيارات الأجرة، ولا سيما خارج بيروت وفي ساعات الليل. وبهذا المعنى، ليست حرية عدم القيادة موزعة بالتساوي: فما يمكن أن يكون خيارًا شخصيًا سهلا لمن يسكن قرب عمله ويستطيع تحمّل كلفة التنقل، قد يصبح قيدًا فعليًا لمن يعيش بعيدًا ولا تتوافر أمامه بدائل منتظمة.
وهكذا تتداخل النفس مع الجغرافيا والدخل والبنية التحتية، فلا يعود السؤال "هل تحب القيادة؟" منفصلا عن سؤال أكثر جوهرية: "هل يمنحك المكان الذي تعيش فيه حق ألّا تقود؟".
السيارة والرجولة... والضغط الاجتماعي
وقد تكون المسألة أثقل على الرجل، لأن السيارة التصقت طويلا بصورة اجتماعية عن الرجولة والسيطرة والقدرة على "تدبير الحال". لكن النساء أيضًا لسنَ خارج هذا الضغط، فعدم القيادة قد يُقرأ لديهن باعتباره نقصًا في الاستقلال، حتى عندما يكنّ اخترنه بإرادتهن.
المشكلة تبدأ حين يتحول المقود من وسيلة انتقال إلى معيار للحكم على النضج والكفاءة. فالرجل الذي لا يقود ليس بالضرورة أقل استقلالا، والمرأة التي تخشى الأوتوستراد ليست أقل قدرة، كما أن امتلاك سيارة لا يجعل صاحبها أكثر حرية إذا كان يمضي ساعات يومه غاضبًا في الازدحام.
من يقود القرار؟
بعد أكثر من أربعة عقود بلا سيارة، لا يشعر نبيل أن حياته كانت ناقصة، وإن كان يعترف بأن تعلّم القيادة كان سيمنحه خيارًا إضافيًا في الطوارئ والرحلات البعيدة. وهنا تكمن الخلاصة: ليس المطلوب تمجيد الحياة بلا مقود، ولا تشخيص من لا يقود باعتباره خائفًا أو عاجزًا.
السؤال الحقيقي ليس: "لماذا لا تقود؟"، بل: "هل أنت من اختار ألّا تقود، أم أن الخوف اختار عنك؟". فإذا بقيت الحركة والفرص والعلاقات بيد صاحبها، فالقيادة مجرد وسيلة. أما إذا بدأت الحياة تنكمش حول الطريق، فإن استعادة حرية الاختيار تصبح أهم من الرخصة نفسها.