روزيت فاضل

بالفيديو والصور - أمسية "عالوتر": حصاد "مثمر" ومناجاة للإنسانية والحرية

4 دقائق للقراءة

استمدّت الأمسية الموسيقية "عالوتر" الكثير من تأثيرها من عزف كلّ من الموسيقيّين شربل روحانا على العود، وإيلي خوري على البزق، ومكرم أبو الحسن على الكونترباص، ومن قدرتهم على "سماع" النفس الإنسانية وتعزيز روابطها بين الفرد والجماعة. فالعازفون الثلاثة يتقنون الصنعة الموسيقية، وهو رصيد ليس بجديد، برز مرة أخرى من خلال عزفهم بشغف كبير، تخلّله ارتجال متقن لمجموعة من المختارات الموسيقية التي تأنّست بها حجارة الدير قبل الحضور نفسه، وذلك في هذا الحفل الموسيقي الذي دعا إليه "دار العود" في "دير الزيارة-فيلوكاليّا" (عينطورة-كسروان).

حمل طقس العزف بين العود والبزق والكونترباص قسمًا من الحفل خُصّص لبعض "حصاد" من ألبوم بعنوان "طرب سفر" لكلّ من روحانا وخوري، يختصر العمل فيه "دعوة إلى الطرب والسفر حيث الصداقة والحب والنشوة والفرح والارتفاع والترقي"، وفقًا لما جاء في مقدّمة الألبوم نفسه.

مخزون العمل وافر، ومرافقة الكونترباص له عكست، من خلال مؤلَّف "سامبا راست" لروحانا نفسه مثلا، قدسيّة إيقاع السامبا وأهمية مقام الراست، في مقطوعة عبقت بالحرية، بالتنقّل الحر، بالحلم الآتي على إيقاع متنوّع ومختلف، كحال تحرّر من القيود للعودة إلى الإنسانية.

نموذج آخر من "طرب وسفر"، وهو مؤلَّف لإيلي خوري عن قريته "شدرا"، حفر فيه كل الحب لطفولته مع "نبض" إيقاع البزق، الذي تحوّلت موسيقاه، برفقة العود والكونترباص، إلى خطوات ترسم آثار جولة في مسقط رأسه. يرتفع الإيقاع هنا كأنه يستعيد أيام اللعب البريء في أزقة شدرا، أو يهدر كخفقان قلبه عند استعادة المشهد، وما أجمله.

لا يحتاج شربل روحانا إلى وصف يعزّز أهمية عزفه على العود. فالأكاديمي المتجدّد في علم العود وموسيقاه متمرّس في فهمه العميق لقواعد المقامات الشرقية، وبرز ذلك من خلال تنقّله بمرونة لافتة بين الجمل النغمية، وتركيزه على استخدام القفلات الذكية والزخارف، ليبحر مع المستمع في رحلة متكاملة. كشف الحفل تناغمًا لافتًا بينه وبين رفيقَيه في الإيقاع، من خلال تنسيق واضح بين التوزيع الموسيقي والارتجال، وهذا مبنيّ طبعًا على الاحتراف أولا، وعلى عمق الصداقة والثقة المتبادلة بين الموسيقيّين الثلاثة.

مؤلَّف روحانا "أرَقٌ في مونتريال" يحكي لنا عن صعوبة التأقلم مع فارق الوقت بين بيروت ومونتريال، وهو عذاب عانى منه وعبّر عنه عبر العزف "الثلاثي". لكن الإيقاع نفسه أصابنا كثيرًا، لأننا نعاني بدورنا من أرق لبنان اليوم وأرق بيروت، الذي يلازمنا منذ صغرنا إلى اليوم، منذ العنف المستشري الذي غلبت فيه آلة الموت وجرفت البشر عمدًا إلى وادي النوم.

بالنسبة إلى خوري، فقد برز في انتقاله خلال الأمسية بين البزق والعود والدفّ، أي من صخب النبض الأرضي والبدائي البحت في الدفّ، مرورًا بالعمق الوجودي والشمولي في حكمة العود، وصولا إلى حدّة البزق وشجنه الفردي الحر المعبِّر عن روح المتمرّد، ما عكس تطوّرًا في التعبير عن الذات الإنسانية ومشاعر الوجدان. برز ذلك في الأمسية من خلال مجموعة من الارتجالات، تنقّل فيها خوري بين العود والدفّ والبزق مع رفيقَيه، ليعكس معنى اللحظة المرتجلة، ويترك مع العازفين حرية ترجمة النوتة الموسيقية وإيقاعها للجمهور. هل كانت تعبيرًا عن غضب، أم هي مجرّد بحث عن لحظة نشوة أو عطر في الموسيقى؟

المهمّ أن الكونترباص لمكرم أبو الحسن، الذي مثّل الإيقاع والعمق في هذا الثلاثي، عكس العلامة الفارقة لأوتار غليظة في الآلة نفسها وصوت دافئ، يبرز من خلاله تمايز أبو الحسن في ضبط الإيقاع الهارموني للحفل. في الأمسية مؤلَّف خاص به عن الإله الروماني "يانوس"، يمثّل البدايات والنهايات وتجدّدها، إضافة إلى أنه يصوّر بالموسيقى وجهَين ليانوس نفسه: وجه ينظر إلى الماضي وآخر إلى المستقبل. موسيقى هذا المؤلَّف ترمز إلى شكل التجسّد والانتقال من مكان إلى آخر.

تخلّلت الأمسية موسيقى وعزف تضمّنا تحية إلى عمر بشير، وصولا إلى عزف موسيقى لمارسيل خليفة، الحاضر في الأمسية، بعنوان "رحيل الخضرجيّ"، تصوّر فيها تفاصيل حياتهم اليومية وواقعهم الاجتماعي بأسلوب مؤثر ودرامي. لن تكون المرة الأخيرة التي يكرّر فيها شربل روحانا هذه المعزوفة، لأن العمل نفسه يرتبط بالوجدان الثقافي في حدّ ذاته، وبصلة المؤلِّف بناسه، بقضاياهم وما أكثرها!


شربل روحانا على العود ومكرم أبو الحسن على الكونترباص (الخدمة الصحافية)


مكرم أبو الحسن وإيلي خوري يعزفان (الخدمة الصحافية)