أعلن نقيب ممثلي الإذاعة والسينما والتلفزيون والمسرح نعمة بدوي بأنّ الوفاة حصلت في المستشفى بعد مضاعفات بسبب "كورونا"، لكنّ ابنته ليلى أوضحت في حديث لـ"نداء الوطن" بأنّ والدها شُفي من الجائحة بعد إصابته بها، لكنّه توفي لمعاناته من أمراض مزمنة خصوصاً مع التقدّم في العمر.
وتمّ الإحتفال بالصلاة عن راحة نفسه ظهر أمس في كنيسة مار نهرا - فرن الشباك بحضور اقتصر على عائلته الصغيرة.
وأشار بدوي في بيان الى أنّ "تابت كان نقيب الكلمة الحرّة وممثّلاً لا يُعوّض، فصرخته المطالبة بالحق ما زالت تتردّد في أروقة النقابة والضمائر الحيّة"، طالباً لروحه السلام ولعائلته ومحبيه الصبر والسلوان.
من جهته، نعاه وزير الثقافة والزراعة في حكومة تصريف الأعمال عباس مرتضى مغرّداً: "يفارقنا اليوم الممثل اللبناني القدير ميشال تابت الذي قضى في زمن وباء قاتل ما انفك يُفقد الساحة الفنية وجوهاً وأسماء أغنت الذاكرة اللبنانية. بخسارتنا لتابت يخسر الوسط الفني نجماً حقيقياً لكثير من الاعمال التلفزيونية والسينمائية، ونقابياً مجاهداً في سبيل تحصيل حقوق الممثل في لبنان بتوليه مهام رئيس نقابة ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون… وداعاً ميشال تابت".

مسيرة حافلة
بدأ تابت مسيرته الفنية من استوديوات تلفزيون لبنان مجسداً أدواراً عدة محفورة في أذهان اللبنانيين عبر فرقة النهضة الفنية ثم معهد الفنون، إلى أن أسس مع رفيقيه ميشال تامر وجورج قاعي فرقة "الأرز" الفنية عام 1966، لتقدم عملها المسرحي "العاشق الشارد" وغيرها من المسرحيات، وصولاً الى فيلم "عذاب الضمير" السينمائي في العام 1975. وما لبث أن ترك تابت الفرقة ليمتهن الحلاقة، من دون أن يتأثر حضوره كممثل واعد وصاحب طاقة مميّزة، فيها من الكاريزما والقوّة ما يكفي لترسيخ صورته في المسرح والسينما والتلفزيون. فظهر في مسلسل "المدير الفني" في العام 1978 وهو أول عمل درامي له من إخراج الياس متى.
وشارك تابت في كثير من الأعمال الدرامية والسينمائية، وطبعت شخصية الشرير والمتسلّط مسيرته الفنية. في جعبة تابت 2600 حلقة تلفزيونية و40 فيلماً سينمائياً، و2000 حلقة مدبلجة ومسرحيات عدة.
وشارك في عشرات المسلسلات، أهمها: "للحب وجه آخر"، "صائمون...ولكن"، "المعلمة والأستاذ"، "اسمها لا"، "دوار يا زمن"، "بو بليق"، "إبراهيم افندي"، "الاسيرة"، "إمرؤ القيس"، "الطاغية"، "اهربوا.. جايي القفورة" و"بربر آغا".
كما مثّل في أفلام عدة منها: "الرؤيا"، "عودة البطل"، "المغامرون"، "الممر الأخير"، "نساء في خطر"، "عذاب الأمهات"، "المتوحشون"، "فتيات للقتل"، "لمن يغني الحب" و"الغافلون".
ومن أعماله في الدبلجة "جزيرة الكنز - ترييلوني / بينجان (الصوت الثاني)"، "سانشيرو "نينجا كابامارو"، "ساندي بيل" و"بيل وسبستيان".

صرخة نقابية
لعب تابت دوراً رئيساً في العمل النقابي، خصوصاً أنه استلم مهام رئاسة نقابة ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون في لبنان لـ25 عاماً، مدافعاً عن حقوق الممثلين، مقترحاً قوانين تضمن شيخوخة الفنانين الذين لم يزاولوا في حياتهم مهنة أخرى. "ما حدا رح يكون في أخوت متل ميشال تابت. أنا كنت دَخّل مصاري عالنقابة القرود ما تعرف كيف تدخُل"، كان يردّد قبل وفاته.
يعلق نقيب الممثلين السابق جان قسيس على رحيله قائلاً: "ترك فراغاً كبيراً، فهو حالة فنية ونقابية فريدة. كان رئيساً للنقابة لسنوات طويلة وهو من أول البارزين على تلفزيون لبنان. ترك إرثاً كبيراً كممثل وكنقيب وله افضال كبيرة على الزملاء الممثلين".
ويضيف: "عمل تابت بجهد لاستصدار قانون ينظّم المهن الفنية ويتضمّن إنشاء صندوق تعاضد موحّد للفنانين. ترأستُ مجلس إدارة الصندوق حين كنت نقيباً للفنانين وتابعت خطّة تابت العملية. كان الصندوق يحتوي على مبلغ 230 مليون ليرة حين استلمته في الـ2016 وسلّمته بعد ثلاث سنوات بمليارين ومئتين وخمسين مليون ليرة".
ويوضح قسيس: "انتزعنا من مجلس الوزراء مرسوماً بدعم الفنانين المتقاعدين مادياً، فساعدناهم في تأمين مبلغ ثلاثمائة ألف ليرة شهرياً فضلاً عن مدّ يد العون في الطبابة والتأمين".
تأسف الممثلة يمنى بو حنا لرحيل تابت، لافتةً الى أنها "شاركته بطولة مسلسل "الطاغية" لمروان نجار"، تصفه بالجديّ في عمله، والرصين، الملتزم، حتى أنّ "صمته يتكلّم من دون أن يتفوّه بكلمة".
وتقول: "من يقف أمامه كان يشعر برهبة لا مثيل لها فهو يفرض شخصيته على موقع التصوير. كان كافياً أن نراقب عظمة أدائه كي نتعلّم منه".
وتختم قائلة: "حضوره موهبة من الله، وبصمته ستبقى فريدة من نوعها فهو تاريخ في التمثيل والفن وأستاذ الأساتذة ذلك أن مشهده لا يُعاد مرتين إلا لأسباب تقنية".
بدوره يشير الفنان مارون نمنم الى أنّ "لكل زمن حكمته. نأسف لفنٍ يضمحل شيئاً فشيئاً مع رحيل الكبار"، مضيفاً: "يعود فضل تعلقنا بالوطن الى تابت وغيره من زمن الفن الجميل فالأصالة ورائحة الوطن تفوح من أعمالهم. وتابت هامة كبيرة عمل جاهداً في النقابة ليضمن حقوق الممثلين بعد تقاعدهم. هناك فارق كبير بين مستوى الفن القديم والحديث". ويتساءل بغضبٍ: "أين رحل اللون اللبناني من أعمالنا الغنائية والتمثيلية؟".

الممثلة أندريه ناكوزي تعبّر عن حزنٍ شديد لرحيل من كانت "تتمنّى أن تشاركه التمثيل ولو بعملٍ واحد". تقول بأسىً: "مؤلمةٌ خسارة عظماء تركوا بصمةً في الفن، فرحيله يمسّ بنا كأفراد خصوصاً أنّ أدواره طُبعت في ذاكرتنا من "كابتن بوب"، الى "المعلمة والأستاذ"، الى "بربر آغا" وغيرها من الأعمال، فهو على عكس القساوة التي كان يظهر بها في أدواره الدرامية رقيق القلب وعمل جاهداً للحفاظ على عيشة كريمة للفنانين المتقاعدين".
الكاتب مروان نجار الذي تعاون معه في أكثر من عمل، يتذكّر ما قاله له تابت ذات يوم ممازحاً بأنه أكسبه كراهية ثمانين بالمئة من المشاهدين بسبب حلقة "الضحيّة" في مجموعة "صارت معي". ويوضح نجار بأنّه طمأنه آنذاك مازحاً: "أعدك بأن أعوّض عليك بمسلسل "الطاغية" الذي ستحصد بفضله كراهية النسب المتبقّية من الناس". ويتابع نجار متأسفاً: "ما أندر الممثّلين الكبار فلولاهم لما وجد الحبر طريقه إلى الورق".
والد وجدّ محبّ
حفيد تابت ميشال نصار يؤكد لنا أنّ جده الراحل علّمه قيم الحياة فعلاً وليس قولاً: "بفضله تعلمت إعطاء الأولوية لأسرتي، وبنيتُ شخصيتي على قاعدة العدالة والصدق فجدي لم يكن يجيد المحاباة".
ويكمل: "أحببتُ التمثيل بفضله، وتعلّمتُ أصول المهنة من التزامه ودقّته. حزين لأنني في الغربة ولن يسعني إلقاء نظرة وداع أخيرة عليه".
أما ابنته ليلى فخاطبت والدها قائلةً: "ستبقى محفوراً في قلبي بطلاً تعلّمت منه الكثير على دروب الحياة. سأحادثك يومياً كما جرت العادة. صلّ لأجلنا يا والدي، فنحن بحاجة الى ذلك في هذه الأيام الصعبة".