جوش فريدمان

لماذا تحاول بكين إخضاع شركات التكنولوجيا الكبرى؟

11 شباط 2021

المصدر: Foreign Affairs

02 : 01

كان يُفترض أن يُطرَح أكبر اكتتاب أولي في العالم! خطّطت شركة التكنولوجيا المالية "آنت غروب" التابعة لمجموعة "علي بابا" الصينية العملاقة لعرض أسهمها في بورصتَي شنغهاي وهونغ كونغ في بداية تشرين الثاني الماضي. لكن قبل أيام قليلة من الموعد المحدد، تدخّل المنظمون الصينيون لإعاقة الاكتتاب. وفي كانون الأول، فرضت الحكومة الصينية غرامات على عدد من شركات التكنولوجيا العملاقة المحلية، بما في ذلك "علي بابا" و"تشاينا ليتراتشور" التابعة لمجموعة "تنسنت"، بسبب انتهاكها لقوانين مكافحة الاحتكار، وقد تعهد كبار القادة بتعزيز جهود منع الاحتكار في العام 2021. خلال أقل من ستة أسابيع، أدت هذه الحملة القمعية غير المتوقعة إلى تغيير النظرة التقليدية بشأن موقف بكين من احتكار الشركات المحلية، إذ لطالما قيل إن شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى "محصّنة" ضد قواعد مكافحة الاحتكار.

فسّر بعض المراقبين تشدّد الصين المفاجئ باعتباره محاولة متأخرة للانضمام إلى الحملة العالمية المتوسعة للحد من نفوذ شركات التكنولوجيا العملاقة. أقام المحللون في الصين والغرب مقارنات واضحة بين مواجهة الصين وشركة "علي بابا" من جهة، والجهود الأميركية والأوروبية الأخيرة لكبح شركات "غوغل" و"فيسبوك" و"أمازون" و"آبل" من جهة أخرى، إذ تبرز في الحالتَين مخاوف مشتركة من الممارسات المسيئة التي تلجأ إليها تلك "المنصات الاحتكارية". لكن ترتكز إجراءات مكافحة الاحتكار في الصين على أسس فكرية مختلفة جداً عن تلك المعتمدة في الغرب. لا تتعلق جهود مكافحة الاحتكار في بكين بالخوف من طبيعة القوة الاحتكارية الاستبدادية بقدر ما تشتق من الفكرة القائلة إن شركات التكنولوجيا العملاقة في الصين لا تلتزم بما يكفي بتحقيق هدف الحزب الشيوعي الصيني في مجال الابتكار التكنولوجي التحويلي، ما يعني أنها قد تُضعِف فاعلية السياسة الصناعية الصينية.

القوة الاقتصادية والحرية الشخصية


احتضن الحزب الشيوعي الصيني رواد الأعمال في القطاع الخاص وحاول دعم الشركات الصغيرة في السنوات الأخيرة، لكن تَقِلّ الأدلة التي تثبت أن المسؤولين الصينيين يعتبرون القوة الاحتكارية استبدادية بطبيعتها. وفق العقيدة الماركسية التي لا تزال أساسية لفهم معنى النفوذ السياسي في الصين المعاصرة، تتطلب الحرية الحقيقية إلغاء الملكية الخاصة ولا يمكن تحقيقها إلا جماعياً. كانت سياسات الخصخصة خلال التسعينات تهدف إلى الحفاظ على أكبر الشركات المملوكة للدولة، وهي تساوي ربع الاقتصاد الإجمالي اليوم. ومع ظهور الإنترنت، تشجّعت شركات التكنولوجيا الخاصة الكبرى، مثل "علي بابا" و"تنسنت"، على التوسّع لأنها اعتُبِرت قادرة على المنافسة دولياً وتبقى مراقبتها أسهل من الشركات الصغيرة التي لا تكفّ عن التكاثر.

لطالما اعتبر صانعو السياسة الصينية ووسائل الإعـــلام الحكومية أن حملة قمع شركات التكنولوجيـا الكبرى في بكين تهدف إلى "تقوية إجـراءات مكافحة الاحتــكار ومنع توسّع الرسـاميل بطريقة عشوائيـــة". لكن يختلف الجزء المرتبط بالرساميل عن جهود مكافحة الاحتكار في الــدول الأخرى، فهو يكشف المصدر الأساسي لمخاوف الحزب الشيوعي الصيني: يحتاج هذا الحزب إلى فرض سيطرته على مسار الابتكارات وإيجاد الطرق اللازمة لتوجيه قوة الشركات الخاصة الكبرى نحو تحقيق أهداف السياسة الصناعية التي يحددها الحزب الحاكم.

في مقابلة جديدة مع صحيفة "إيكونوميك ديلي"، وصف تيان ليهوي، أستاذ في الشؤون المالية في جامعة "نانكاي"، نمو الشركات الخاصة الكبرى في الاقتصاد باعتباره سيفاً ذا حدّين: "إذا كان توسّع الرساميل منظّماً، يمكنه أن يحقق النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي. لكن إذا كان عشوائياً، لا مفر من أن يُرسّخ الاحتكار الذي يعيق التنمية الاقتصادية". عبّر الباحث في جامعة "تسنغوا"، تشو نينغ، عن الفكرة نفسها في مقالة نشرتها وكالة أنباء "شينخوا" الحكومية، فزعم أن توسّع الرساميل بطريقة عشوائية يُهدد الاقتصاد والمستهلكين والمجتمع ككل. بحسب رأيه، يؤدي توسّع الرساميل عشوائياً إلى انحراف المجتمع عن مسار التقدم الاجتماعي والتكنولوجي ويدفعه نحو إغراءات الربح السهل. في هذا السياق صرّح تانغ جيانوي، كبير الباحثين في "مركز الأبحاث المالية لبنك الاتصالات"، أمام الصحافة بأن المشكلة الحقيقية تكمن في إقدام شركات التكنولوجيا المحلية على استعمال رساميلها لتحسين حركة التصفح وتوسيع قواعد مستخدميها "من دون التنبه إلى جودة الابتكار وأهميته": هذه العناصر هي جزء من استراتيجية الصين التكنولوجية.

اعتبرت وسائل الإعلام الصينية الحكومية ظاهرة "الشراء الجماعي" للبقالة عبر الإنترنت مثالاً نموذجياً لتوسّع الرساميل العشوائي. لجأت شركتا "علي بابا" و"تنسنت" وشركة "ميتوان" العملاقة لتسليم المنتجات الغذائية، وحتى تطبيق استدعاء السيارات "ديدي"، إلى الشراء الجماعي حيث تستطيع الجماعات المحلية أن تطلب منتجات البقالة التي تريدها لتوفير الإمدادات مباشرةً من تجّار الجملة بأقل الأسعار. قد يكون تجاوز الباعة المحليين (معظمهم من المهاجرين الفقراء القادمين من مناطق صينية أخرى) وطلب المنتجات عبر المنصات الرقمية خياراً مناسباً، لكنه يهدد عمل المهاجرين ويعيق سلاسل الإمدادات الغذائية العامة. هاجمت افتتاحية صحفية جديدة في صحيفة "بيبولز ديلي" الموالية للحزب الحاكم شركات التكنولوجيا الصينية العملاقة لأنها تنشغل "بكمية من الملفوف وبعض كيلوغرامات الفاكهة" مع أنها تستطيع القيام باكتشافات أكثر أهمية. ثم تابعت المقالة بلهجة تحذيرية: "يجب أن تتحمل شركات الإنترنت العملاقة التي تملك بيانات كبرى وأنظمة حوسبة متقدمة مسؤوليات إضافية وتُوسّع طموحاتها ودورها في الابتكار العلمي والتكنولوجي".

تعكس هذه الحملة الرسمية ضد التسوق عبر الإنترنت مخاوف بكين من أن تستعمل شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى رساميلها المتراكمة للاستحواذ على حصة أكبر من الأرباح بدل الاستثمار في الأبحاث التي تستطيع تطوير المجتمع عموماً. في 22 كانون الأول، جمعت "الإدارة الحكومية لتنظيم السوق" في الصين شركات التكنولوجيا الرائدة خلال اجتماع ووجّهت لها الرسالة نفسها، فدعتها إلى التركيز على الأرباح على المدى القصير وبذل جهود إضافية لتحقيق الهدف الصيني المرتبط بتحويل بكين إلى جهة رائدة في مجال العلوم والتكنولوجيا. كذلك، ذكر رئيس "الإدارة الحكومية لتنظيم السوق" أن جزءاً من أولويات إدارته في العام 2021 يتعلق بزيادة التنسيق على مستوى السياسات الصناعية والتنافسية.

لطالما شدّد الحزب الشيوعي الصيني على أهمية توسيع الاستثمارات في التكنولوجيا. لكن في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني اليوم وزيادة الاضطرابات الجيوسياسية الناشئة مع عدد من دول العالم، يهتم قادة الصين بدرجة غير مسبوقة بتحسين الابتكارات الأصلية لتحقيق الاستقلالية التكنولوجية عن الدول الأخرى. دعا جيانغ جينكوان، رئيس مكتب السياسة العليا في الحزب الشيوعي الصيني، في خطابٍ ألقاه في أواخر كانون الثاني الشركات الخاصة لتكون جزءاً من جهود الصين لتجاوز النواقص في الابتكارات الصينية، وأعلن أن البلد سيحقق النجاح في مجال البحث والتطوير في القطاع الخاص. بالتالي، لا يعني منع توسّع الرساميل عشوائياً معارضة أي تراكم للرساميل أو القوة الاحتكارية بحد ذاتها، بل يشير بكل بساطة إلى معارضة تراكم الرساميل خارج أجندة الابتكار التي يخطط لها الحزب الشيوعي الصيني.

قد تبدو إجراءات مكافحة الاحتكار في الصين مشابهة لتلك التي تطبّقها الديموقراطيات الليبرالية، لكنها قد تساعد الحزب الشيوعي الصيني في نهاية المطاف على تبرير نظامه القائم على الحُكم الاستبدادي. تذكر مقالة جديدة أخرى في صحيفة "بيبولز ديلي" أن حملة القمع ضد الشركات الاحتكارية تعكس شكلاً من "الحُكم الرشيد" بما يتماشى مع التقاليد الكونفوشيوسية. يذكر كاتب المقالة عبارة للفيلسوف الصيني منسيوس: "من دون بوصلة ومُربّع، يعجز الأسياد الماهرون عن تشكيل أي مربعات ودوائر". نتيجةً لذلك، لا يستطيع حتى أفضل الحكام أن يحكموا البلد استناداً إلى الفضائل وحدها، بل إنهم يحتاجون إلى أدوات محددة، منها القوانين والتنظيمات. بناءً على هذا المبدأ، تقوم بكين بكل بساطة بواجباتها الفاضلة وتستعمل الأدوات التي تملكها (أي إجراءات مكافحة الاحتكار التي تهدف في هذه الحالة إلى كبح شركات التكنولوجيا الاحتكارية ذات التحركات غير المتوقعة بهدف تقوية الدولة قدر الإمكان). يبدو أن الخطوات التي تحارب شركات التكنولوجيا الاحتكارية في الولايات المتحدة وتُعتبر أساسية للحفاظ على الديموقراطية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحُكم غير الديموقراطي في الصين.

الحزب الحاكم يُعيد شركات التكنولوجيا الكبرى إلى مكانتها الأصلية

يمكن اعتبار تحركات الصين الأخيرة لمكافحة الاحتكار دعوة تحذيرية لشركات التكنولوجيا العملاقة بدل أن تكون تحولاً إيديولوجياً مفاجئاً ينجم عن تأجّج المخاوف من الاحتكار. كرّر كبار القادة منذ بدء حملة القمع ضد شركة "آنت غروب" وسواها في تشرين الثاني الماضي أن الحزب الحاكم لا يريد منع تطور شركات المنصات الإلكترونية أو كبح ازدهار الماركات الخاصة التي تنافس عالمياً طالما تتوسّع هذه الجهات بطريقة "منظّمة". بعبارة أخرى، قد تهدف جهود مكافحة الاحتكار في بكين إلى تغيير سلوك الشركات أو فرض بعض الضمانات التنظيمية للتصدي للمخاطر المالية أو المنهجية بدل تفكيك بنيتها المؤسسية بطريقة جذرية. في عهد الحزب الشيوعي الصيني، يبدو أن العدو الحقيقي ليس الرأسمال بل توسّعه العشوائي. وبما أن احتكار هذا الحزب للنفوذ السياسي يمنحه سلطة مطلقة لتحديد المصلحة العامة، لا شيء يبرر مساعي الشركات لتحقيق مكاسب خاصة بها بدل تنفيذ أهداف الحزب الحاكم. تأتي إجراءات مكافحة الاحتكار الأخيرة في الصين لتُذَكّر أي شركة كبرى نسيت مكانتها الحقيقية في النظام الاقتصادي الصيني بضرورة أن تطبّق الوجهة الابتكارية التي يحددها الحزب بدل استعمال نفوذها الخاص لجني المال عبر اتخاذ مسار مختلف.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.