محمد البابا

كيف غيّرت المسيّرات الأوكرانية والصواريخ الكورية الشمالية معادلة المواجهة بين روسيا وأوكرانيا؟

6 دقائق للقراءة

مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس، تشهد الساحة العسكرية تحولاً لافتاً يتمثل في تصاعد استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بعيدة المدى كأداة رئيسية لاستنزاف الخصم. وخلال الشهرين الماضيين تحديداً، تعرضت العاصمة الأوكرانية كييف وبعض المدن الكبرى لسلسلة من أعنف الهجمات الجوية منذ بدء الحرب، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية المدنية والحيوية. وتشير تقارير أوكرانية وغربية إلى أن جزءاً مهماً من هذه الهجمات نُفذ باستخدام صواريخ باليستية حصلت عليها موسكو من كوريا الشمالية، في تطور يعكس عمق التعاون العسكري بين البلدين.


كييف تحت النار

شهدت العاصمة الأوكرانية خلال شهري يوليو وأغسطس 2026 موجة غير مسبوقة من الضربات الجوية الروسية. ففي واحدة من أكبر الهجمات الأخيرة، استخدمت روسيا مزيجاً من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة، ما أدى إلى سقوط أكثر من 15 قتيلاً وعشرات الجرحى، إضافة إلى تضرر مبانٍ سكنية ومدارس ومستشفيات ومنشآت مدنية أخرى.

وتؤكد القيادة الأوكرانية أن الدفاعات الجوية ما زالت قادرة على اعتراض نسبة كبيرة من الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في مواجهة الصواريخ الباليستية السريعة التي تحتاج إلى منظومات متطورة من نوع "باتريوت" لاعتراضها. وقد أدى تزايد وتيرة الضربات الروسية إلى استنزاف مخزون هذه الصواريخ الاعتراضية بشكل غير مسبوق.


كوريا الشمالية تدخل المعركة من بوابة الصواريخ

التطور الأبرز خلال الأشهر الأخيرة يتمثل في اتهام أوكرانيا لروسيا باستخدام صواريخ باليستية كورية شمالية من طرازات مشابهة لـ KN-23 وKN-24. وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن التحقيقات الأولية وشواهد الرادار أظهرت استخدام هذه الصواريخ في عدد من الضربات التي استهدفت مناطق مدنية أوكرانية.

وبحسب مسؤولين أوكرانيين، فإن هذه الصواريخ تتميز بحمولة تفجيرية أكبر ومدى مؤثر، ما يمنح القوات الروسية قدرة إضافية على مواصلة القصف المكثف دون الاعتماد الكامل على مخزونها المحلي من صواريخ "إسكندر". كما أكد زيلينسكي أن موسكو حصلت على دفعات جديدة من الصواريخ الباليستية من بيونغ يانغ، وسط مؤشرات إلى توسع التعاون العسكري بين البلدين.

ويرى مراقبون أن الدعم الكوري الشمالي منح روسيا قدرة على الحفاظ على وتيرة مرتفعة من الهجمات الصاروخية في وقت كانت التقديرات الغربية تشير سابقاً إلى احتمال تراجع المخزون الروسي من الذخائر الدقيقة.


استنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية

أحد أهم أهداف الحملة الروسية الحالية يبدو مرتبطاً باستنزاف منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية. فمع كل هجوم واسع النطاق يتم إطلاق عشرات أو مئات المسيّرات بالتزامن مع صواريخ كروز وصواريخ باليستية، ما يجبر كييف على استخدام أعداد كبيرة من الصواريخ الاعتراضية مرتفعة الكلفة.

وفي أكثر من مناسبة، حذر الرئيس الأوكراني من أن بلاده تعاني نقصاً خطيراً في صواريخ باتريوت. كما نقلت وسائل إعلام دولية عن زيلينسكي قوله إن نسبة محدودة فقط من المخزون الأمريكي من هذه الصواريخ ستكون كافية لحماية المدن الأوكرانية من الهجمات الباليستية الروسية.

كما أشارت تقارير غربية إلى أن أوكرانيا اقتربت من استنفاد جزء كبير من مخزونها من الصواريخ الاعتراضية، الأمر الذي جعل بعض الضربات الباليستية الروسية تصل إلى أهدافها رغم نجاح الدفاعات الجوية في إسقاط أعداد كبيرة من المسيّرات وصواريخ كروز.


أوكرانيا ترد في العمق الروسي

في المقابل، لم تقف كييف موقف المتفرج أمام هذه الهجمات. فخلال الأشهر الأخيرة كثفت القوات الأوكرانية هجماتها بعيدة المدى ضد منشآت الطاقة والبنية التحتية العسكرية الروسية.

واستهدفت المسيّرات الأوكرانية مصافي نفط ومستودعات وقود ومنشآت صناعية مرتبطة بالمجهود الحربي الروسي، ما أدى إلى اندلاع حرائق وتعطيل عمليات إنتاج وتكرير في عدد من المناطق الروسية. وتشير تقارير غربية إلى أن هذه الهجمات ساهمت في زيادة الضغوط على قطاع الطاقة الروسي وأجبرت موسكو على اتخاذ إجراءات لتعويض بعض النقص في الوقود.

كما باتت الضربات الأوكرانية تستهدف بصورة متزايدة المصانع والمنشآت المرتبطة بصناعة الأسلحة والذخائر، في محاولة لإبطاء القدرة الروسية على تعويض خسائرها واستمرار حملتها الصاروخية.


دونيتسك: معركة السنوات الأربع والنصف

ورغم التفوق الروسي في عدد السكان والموارد والقدرات النووية والعسكرية، فإن المشهد الميداني يطرح تساؤلات جدية حول قدرة موسكو على تحقيق أهدافها الاستراتيجية الكبرى.

فبعد أكثر من أربع سنوات ونصف على اندلاع الحرب الشاملة، ما زالت القوات الروسية عاجزة عن فرض سيطرة كاملة على مقاطعة دونيتسك التي أعلنت موسكو ضمها رسمياً منذ عام 2022. وتشير تقديرات مراكز أبحاث عسكرية إلى أن التقدم الروسي خلال العامين الأخيرين بقي محدوداً مقارنة بحجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها القوات الروسية.

ورغم نجاح روسيا في السيطرة على مدن وبلدات مهمة خلال مراحل مختلفة من الحرب، إلا أنها لم تتمكن حتى الآن من إنهاء الوجود العسكري الأوكراني في كامل دونيتسك، وهو ما يثير تساؤلات لدى عدد من المحللين العسكريين حول فعالية القوة التقليدية الروسية، خصوصاً أن روسيا تُصنف كواحدة من أكبر القوى العسكرية والنووية في العالم.

تكشف تطورات الشهرين الأخيرين أن الحرب دخلت مرحلة جديدة عنوانها الرئيسي "الاستنزاف المتبادل". فروسيا تعتمد بشكل متزايد على الصواريخ الباليستية والمسيّرات، مدعومة بإمدادات عسكرية من كوريا الشمالية، بهدف إنهاك الدفاعات الجوية الأوكرانية وإجبار كييف على استنزاف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية. وفي المقابل، تواصل أوكرانيا نقل المعركة إلى العمق الروسي عبر استهداف قطاع الطاقة والمنشآت الصناعية والعسكرية الاستراتيجية.

وبينما تتساقط الصواريخ فوق كييف وتتعرض المصافي والمنشآت الروسية لهجمات متكررة، يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع موسكو تحقيق اختراق حاسم في الميدان بعد أكثر من أربع سنوات ونصف من القتال، أم أن الحرب تتجه نحو مرحلة طويلة من الاستنزاف المتبادل لا يملك أي طرف القدرة على حسمها عسكرياً؟