جبران في "رمل وزبَد": ما لم تتَّسع له نصوص "النبي"

7 دقائق للقراءة

حين صدر "رمل وزبَد" سنة 1926، ذكرَت باربرة يونغ (معاوِنة جبران وملازِمَته في السنوات الست الأخيرة من حياته: 1925-1931) أنّ فيه أقوالا كان يُضمر أن يضعها على لسان "المصطفى" في "النبي". إنما، خوفَ الإطالة، لم تتَّسع لها مساحة الكتاب. لذا لَمْلَمَتْها من بين أوراقه كما كان دوَّنها كيفما اتَّفق، حتى إذا اقترحَت عليه إصدارها في كتاب بادرَها: "فيها الكثيرُ من الرمل والزبد". وحين التقطَتْ عبارتَه هذه، وأن يكون "الرمل والزبَد" عنوانَ الكتاب، لفَتَهُ الأمر فأخذ يهتمّ له.

بعد عام على صدور الكتاب في نيويورك (منشورات كْنُوفْ)، صدرَت ترجمته العربية (القاهرة 1927) كما وضعها صديقُ جبران الأرشمندريت أنطونيوس بشير. لم يحظَ الكتاب بترجمات متعدِّدة كما حال "النبي"، أحدَثُها تلك التي وضعها الشاعر هنري زغيب وصدرَت في منشورات "أكاديمْيا فيليب سالم للتراث اللبناني" لدى "الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU)"، تلَتْها طبعة ثانية لدى منشورات "دار سائر المشرق".

في الكتاب 322 خاطرة موجَزَة متنوعة الأفكار والمواضيع، تنشر "نداء الوطن" هنا باقة منها...

- أمشي... أمشي عند هذي الشواطي، ما بين الرَمل والزَبَد. سيَغْمُر المدُّ آثارَ قدَمَيَّ، وتُبَعثِرُ الزبدَ الريحُ. لكنَّ البحر باقٍ أبدًا، ومثْلُه الشاطئ.

- ذاتَ مرة ملأتُ كفِّي ضبابًا. وإِذ فتحتُها، كان تحَوَّل دودة. ضممتُ كفِّي مجدَّدًا ثمَّ فتَحْتُها، فإذا فيها عصفور. عدت ضممتُها وفتحتُها، فانتصب في تجويفها رجلٌ حزينٌ وجهُه إلى فوق. ضممتُ عليه كفِّي. وحين فتحتُها لم أجد سوى ضباب. لكنني سمعتُ أغنية كلِّيّة العذوبة.

- حتى أمس كنت أظنُّني في كوكب الحياة جزءًا مرتعشًا بلا إيقاع. اليوم أعي أني أنا الكوكب، وفـيَّ ترتعش الحياة الكاملة بإيقاعات متناغمة.

- في يقظتهم يقولون لي: "أنتَ والعالَم الذي تعيش فيه، ما سوى حبة رمل على شاطئ لامُتَناه عند بحر غير محدود". وفي حُلمي أُجيبُهم: "أنا البحرُ غيرُ المحدود. وجميعُ العوالِم ما سوى حبَّات رمل على شاطئي".

- مرةً وحيدةً وجدتُني أبْكم، ذاتَ سألني أحدُهم: "مَن أَنت"؟

- أوَّل فكرة للإله: كان الملاك. وأوّل كلمة: الإِنسان.

- قبل ألف ألف سنة، كنا كائنات تائهة مرتعشة توَّاقة، قبل أن يُلْقِمَنا الكلامَ البحرُ، والريحُ في الغابة. فكيف لا نعبِّر عن أيامنا القديمة فينا إلا بأصوات أيامنا الحديثة؟

- مرةً وحيدةً نطق أبو الهول. قال: "في حبة الرمل صحراءُ كاملة، والصحراءُ كلُّها حبة رمل. فلنَعُد جميعنا إِلى الصمت". سمعتُ قولته، ولم أفهمها.

- لا تنكشف حقيقتك إلا عند حزن غامر أو فرح عامر. إن شئْتَها تنكشف، فارقص عاريًا في الشمس، أو فاحمِل صليبَك.

- لو تهتمُّ الطبيعة لِما نقوله عن الاكتفاء، لَما انساب نهرٌ إِلى بحر، ولا آل شتاءٌ إِلى ربيع. ولو تهتمُّ لِما نقوله عن التقتير، كم واحدًا بيننا يتنشَّق هذا الهواء؟  

- حين تُدير للشمس ظهرَك، لن ترى سوى ظلّك.  

- طليقٌ أنت: واقفًا في شمس النهار، أو رانيًا إِلى نجوم الليل. وطليقٌ حين لا شمسَ ولا قمرَ ولا نجوم. وطليقٌ حتى وأنتَ تُغمض عينيكَ عن كلِّ ما حولك. لكنك أسيرُ مَن تُحب لأنكَ تُحبُّه، وأسيرُ مَن يُحبّكَ لأنه يحبّك. 

- جميعُنا متسوِّلون عند باب الهيكل. كلٌّ منا ينال حصته من سخاء المَلك كلَّما دخل الهيكل أو غادره. لكننا نتحاسد. وهذا مظهرٌ آخر من هُزئنا بالمَلك.

- لا يمكنك الأكل فوق حاجتك. النصف الآخر من الرغيف هو من حصّة السوى. فَلْتَبْقَ منه كَسْرةٌ لضيفٍ طارئ.

- لو لم تكن البيوتُ للاستضافة، لأمست أَضرحة.  

- قال ذئبٌ مراوغ لحَمَل بريء: "ألا تُشرِّف منزلنا بزيارة"؟ فأجاب الخروف: "تشرِّفني زيارة منزلك لو لم يكُن في معدتِك".

- أوقفتُ زائري على العتبة: "لا تُنظِّف حذاءَك وأنت داخل، بل حين تخرج".

- ليس السخاء أن تعطيني ما أحتاجه أكثر منك، بل ما تحتاجه أكثر مني.

- أنا أيضًا يزورُني ملائكة وشياطين، فأتخلّص منهم: حين الزائر ملاك، أتلو صلاة عتيقة فيضجَر. وحين هو شيطانٌ، أرتكبُ خطيئةً قديمةً فيُشيحُ عني.

- في النهاية ليس سيّئًا هذا السجن. لكني لا أحبُّ هذا الجدار الفاصل زنزانتي عن زنزانة جاري. وأكيدًا: لا ألوم الحارس ولا مهندس السجن.

- من يعطيك ثعبانًا حين تسأَلُه سمكة، ليس لديه ما يعطي سوى ثعابين. فهذا سخاؤُه.

- قد ينجح الغشّ أحيانًا، لكنه دومًا يَؤول إلى انتحار.

- مَن يعرف أن يُميِّز الخير من الشر، هو الْيُمْكِنُه لَمْس طرف من وشاح الإله.

- إذا قلبُكَ بركان، كيف تتوقع أن يتفتّح زهر في كفَّيك؟

- رأيتُ يومًا إِلى وجه امرأة فتبيَّنتُ فيه أطفالَها الذين لم يولَدوا بعد. وذاتَ رأت امرأةٌ إِلى وجهي، عرفَت فيه أسلافي الذين ماتوا قبل ولادتها.

- يوم قذفني الإلهُ حصاة في هذه البحيرة الساحرة، خضضتُ سكونها بالدوائر. وحين بلغتُ قعرها تحوَّلتُ إِلى سكون.

- أعطِني الصمت، أجرؤ على الليل.

- وُلدتُ ثانيةً حين روحي وجسَدي تحابَّا فتزوَّجا.

- التذكُّر وجهٌ من اللقاء.   

- النسيان نَفَسٌ من حرية.

- إلهي: اجعلني فريسة الأسد قبْل أن تجعل الأرنب فريستي.

- لن يبلُغَ الفجرَ مَن لم يسلُك طريقَ الليل.

- يقول لي بيتي: "لا تغادِرني لأن فيَّ ماضيك". وتقول لي الدرب: "أُسلُكني: أنا مستقبلُك". أُجيبُهما: "لا ماضٍ لي ولا مستقبل. إذا بقيتُ هنا، في بقائي رحيل. وإذا غادرتُ إلى هناك، في مغادرتي بقاءٌ هنا. ما سوى الحبّ والموت قادران على التغيير".

- كيف أفقِدُ إِيماني بعدالة الحياة، وأحلامُ النائمين على الريش ليست أجملَ من أحلام مَن يفترشون التراب؟ 

- بين تخيُّل الإنسان وإنجازه: مدًى لا يجتازه سوى تَوْقِه.

- الجنة قبالتي، خلْف هذا الباب في الغرفة المحاذية. لكنني فقدتُ المفتاح. ربما لم أُعِدْهُ إِلى مكانه.

- أنتَ أعمى وأنا أصمُّ وأبْكَم. فَلْنَتصافحْ كي نتفاهم.

- ما تقييمُ الإنسان حيثما بلغ، بل حيثما يتوق أن يبلغ.

- بعضنا كالحبر والآخرُ كالورق. لولا سواد بعضنا لكان الآخَر أبكَم. ولولا بياض الآخَر لكان بعضنا أعمى.

- هات لي أُذْنًا فأُعطيَكَ صوتًا.

- عقلُنا إسفنجةٌ، وقلبُنا جدول. أليس غريبًا أن يُفضِّلَ معظمُنا الامتصاص على الانسياب؟

- من يَسكَرْ بـرؤيا، يجد الخمرة أصغر تعبير عنها. 

- تحتسي الخمرة كي تسكر، وأحتسي التي تُصحيني من تلك التي تشربها.    

- حين كأسي فارغة، أُشيحُ عن فراغها. وحين هي نصفُ ممتلئة، يُغيظني غيرُ الممتلئ.

- لا معنى لنصف ما أَقوله. لكنني أقوله كي يبلغك نصفُه الآخَر. 

- الأكُفُّ التي تُشكِّل بالشوك تيجانًا، أفضلُ من أَكُفّ خاملة.

- أقدَسُ دموعنا لا تنهمل من مآقينا.

- شعرتُ بوحدتي حين أخذ الناس يمتدحون ثرثرتي، ويَعيبون فضائلَ صمتي.

- هل حبُّ أُمّ هُوذا طفلَها، كان أقلَّ حنانًا من حبّ مريم يسوع؟

- التعاسة أن أبسُط كفِّي فارغةً فلا يملأها أحد. واليأسُ أن أبسُط كفِّي مليئةً ولا يُفرغها أحد.    

- أتوقُ إِلى الخلود، لأني ألتقي فيه قصائدي التي لم أكتبْها، ولوحاتي التي لم أرسُمها. 

- الفنّ خطوة من الطبيعة صوب الـمُطلق.

- لو أنّ جَدَّ جدّ يسوع عرفَ مَن سينبض منه لاحقًا، أما كان افتَتَنَ بذاته؟

- لأخينا يسوع معجزاتٌ ثلاث لم تُدوَّن بعد: كان إنسانًا مثلَك ومثلي، وصاحبَ دعابة، ومدركًا غَلَبَتَهُ ولو انه غُلِب. 

- مرَّةً كلَّ مئة سنة يتلاقى يسوع الناصريّ ويسوع النصارى في حديقة بين جبال لبنان، فيتحادثان طويلا. وكلَّ مرَّة ينصرفُ يسوع الناصريّ قائلا ليسوع النصارى: "أخشى يا صديقي أننا لن نتوافق أبدًا".                           

- أيها المصلوب: أنتَ مصلوبٌ على قلبي. والمساميرُ المغروزةُ في كفّيْك غارزةٌ في شغاف قلبي. وغدًا، حين يمرُّ بالجلجلة غريب، لن يعرف أنّ اثنَين نَزَفا، بل يرى ما يظنُّه دمَ نازفٍ واحد.

غلاف الكتاب