يعيش لبنان والمنطقة حالة من الترقُّب والقلق على وقع تَصاعُد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، مع رسائل تحذيرية شديدة اللهجة تبلّغها وزير الخارجية يوسف رجي من جهات دولية صديقة للبنان، في حال تدخّلَ "حزب الله" في "حرب إسناد" جديدة لطهران...
فطبول الحرب في المنطقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالإستحقاقات الإنتخابية الكبرى.. إذ تَشهَد الولايات المتحدة انتخابات للتجديد النصفي للكونغرس، بينما تستعدّ إسرائيل لانتخابات عامة في 27 تشرين الأول... وتُسستخدَم ساحات المواجهَة في غزة ولبنان وإيران كأوراق ضغط ووسائل تأثير لتحقيق مكاسب إنتخابية...
يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تحسين موقعه المتأرجِح في استطلاعات الرأي وفَرض وقائع أمنية وميدانية جديدة في غزة ولبنان وسوريا لاسترضاء قاعدته اليمينية المتطرفة...
لذلك تخشى السلطة اللبنانية من لجوء إسرائيل إلى تصعيد عسكري يبدأ في تلة "علي الطاهر" ويمتدّ إلى غيرها من المناطق مع اقتراب شهر أيلول المُمهٍِّد للإستحقاق الإنتخابي الإسرائيلي، بغية الهروب من المآزق السياسية الداخلية والفشل في حَسم ملفات الحرب نهائياً...
(المفارقة الفاضِحة والمُفجِعة هي أنَّ "حزب الله" يُفضِِّل أن تحتلّ إسرائيل "علي الطاهر" وكل المنشآت التابعة له على أن يُسلِِّمها للجيش اللبناني)..!
وتواجِه الإدارة الأميركية ضغوطاً شعبية وسياسية هائلة بسبب تَداعيات "حرب الإستنزاف" الطويلة الأمد مع إيران واستمرار إغلاق مضيق هرمز وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، ممّا يضرّ بحظوظ الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي...
لذلك تميل واشنطن نحو محاولة تهدئة الجبهات المباشرة في الإقليم والتركيز على الضغط الإقتصادي والمسارات الدبلوماسية للتقليل من كلفة الإنفجار الإقليمي الشامل الذي قد يقضي على ما تبقّى من رصيد سياسي للحزب الجمهوري الحاكِم...
في الواقع، الوضع في لبنان والمنطقة يمرّ بمرحلة دقيقة للغاية، حيث تترقّب الأوساط السياسية والدبلوماسية تطورات شهر أيلول باعتباره محطّة مفصليّة تحمل إمّا فرصاً للتهدئة أو مخاطر تَصعيد إضافي في ظلّ استمرار المساعي الدولية الحثيثة والضغوط الدبلوماسية للوصول إلى تسويات تحمي الإستقرار الهشّ..
لن يستقيم الوضع في لبنان، ولا في الإقليم، إذا اكتفت أميركا في سياسة فرض العقوبات.. فالضغط الإقتصادي يُضعِف إيران و"حزب الله" مالياً، ولكنه لا يُفكِِّك البُنى العسكرية أو النفوذ السياسي الميداني في لبنان والمنطقة...
إنَّ بقاء ميليشيات وأسلحة خارج سلطة الدولة الرسمية تمنعها من بسط سيطرتها الكاملة على أراضيها، وتخطف منها قرار السلم والحرب، وتؤدّي إلى توترات داخلية وخارجية تُعرقِل مسار التعافي الإقتصادي والإصلاح المؤَسَّسي...
لا كرامة لدولة تتنازل عن قرارها.. ولا بقاء لأمّة تُفرِّط في ترابها وسيادتها.
باحث وكاتب سياسي