عندما تقضي عصابة حاكمة على اقتصاد بلد وعافيته ومدّخراته، تضيق سبل شبابه الساعي إلى العمل وإنشاء العائلة. تصبح الهجرة خيارًا طبيعيًا لمن يجد إليها سبيلا. أمّا البقاء والتسليم برواتب زهيدة وحياة يخيّم عليها ضيق الحال ككابوس، فاحتمال آخر. الاستسلام للبطالة أو العمل المتقطّع سيناريو ثالث. ويمكن أيضًا الالتحاق بالعصابة الحاكمة لتجنّب كل ما سبق: الهجرة والفقر.
هذه السيناريوهات مختلفة، طبعًا، لكنّها تلتقي على نتيجة مشتركة: كلّها تجعل الالتزام السياسي الأخلاقي، أي الساعي إلى تغيير الأوضاع لا إلى الاستفادة المصلحية منها، شديد الصعوبة.
يواجه المهاجر تحدّي الاندماج في المجتمع المضيف، الذي يخلق له أولويات جديدة، وربّما هويّات مختلفة عمّا كان يحرّكه في بلده الأم. الاستزلام للنخب الحاكمة يعني، بالضرورة، ممارسة السياسة سبيلا إلى الترقّي الاجتماعي والكسب السريع، لا أكثر. وأمّا الصراع اليومي لكسب العيش، لمن لا يهاجر ويرفض أن يستزلم، فيعني صرف كلّ الطاقة لتأمين الحدّ الأدنى من متطلّبات الحياة. لا وقت للالتزام السياسي أمام من يواجه هذا النوع من التحدّيات، لأن لا وقت لأيّ شيء غير السعي وراء القوت. والأهم، ربّما، أنّ عوامل كالأعصاب المرهقة، والاكتئاب، وفقدان الأمل بآفاق أفضل، تضرب القدرة النفسيّة على العمل الجماعي والتخطيط والتنظيم وبذل الجهد وراء قضيّة سياسيّة.
بهذا، تنتظم العلاقة بين النخب الحاكمة والمجتمعات الرازحة تحتها في حلقة مفرغة: تخلق النخب أوضاعًا بائسة تدفع الشباب دفعًا إمّا خارج البلاد، وإمّا خارج العمل السياسي. وهجرة الشباب أو عزوفهم عن الانخراط في الحياة العامّة عاملان يسهّلان على النخب البقاء في السلطة ومواصلة استعمالها ضدّ المجتمع. وفي غياب عوامل خارجيّة تساعد على تغيير الأوضاع جذريًا، يمكن لهذا النوع من الأوضاع أن يستمرّ لعقود ثقيلة طويلة.
والحال أنّ لا مهرب من الحيرة تجاه أوضاع كهذه لمن تحرّكه بوصلة أخلاقيّة في المسائل العامّة. ثقل الأوضاع وبؤسها أقوى من أيّ إرادة فرديّة للتغيير، مهما اشتدّت عزيمة صاحبها. لكنّ الاستسلام للمأساة انحياز غير إرادي إلى صانعيها، لأنّه يخلي الساحة لهم. لا مصارعة طواحين الهواء مفيدة على المستوى العملي، ولا إدارة الظهر لضحايا الأوضاع البائسة مقبولة على المستوى الأخلاقي.
والله أعلم.