أورنيلا سكر

تحولات القوة وأزمة البديل الحضاري في القرن الحادي والعشرين

5 دقائق للقراءة
من الانترنت

إنّ التغيير مسألة حتمية، ونحن مقبلون بلا شك على تحوّلات دراماتيكية في النظام الدولي، غير أنّها لا تتخذ الشكل الذي يتصوره البعض من حيث الانتقال السريع أو الحاسم للهيمنة العالمية.

أولًا، يتجه النظام العالمي تدريجيًا نحو تجاوز مرحلة التفرد الأمريكي، باتجاه تعددية قطبية وشكل من أشكال الشراكة الدولية، وذلك بفعل اعتبارات متعددة؛ منها ما هو أخلاقي، ومنها ما يتعلق بتآكل شرعية الهيمنة الأحادية، فضلًا عن مظاهر الفساد المؤسساتي التي أصابت البنية العالمية القائمة.

غير أن هذا التحول لا يشبه لحظة انتقال الهيمنة من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، لعدة أسباب جوهرية؛ إذ إن الدولار ما يزال عملة الاحتياطي العالمية الأولى بلا منازع حقيقي، كما أن الولايات المتحدة تمتلك مرونة عالية في تجاوز الأزمات والتكيف معها، فضلًا عن كونها قوة صناعية وتكنولوجية ضخمة، ترتبط بشبكة واسعة من التحالفات العالمية والمؤسسات الدولية.

في المقابل، لا تزال الصين، رغم صعودها الاقتصادي والصناعي اللافت، لم تدخل بعد بثقلها الكامل في الصراعات الجيوسياسية العالمية، إذ اكتفت غالبًا بنهج قائم على التعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني والاستخباراتي، دون أن تترجم هذا الصعود إلى إعادة صياغة شاملة لمعادلات القوة الدولية. كما أن شركاتها، رغم توسعها، لم تُحدث بعد التحول البنيوي الكافي لإعادة تشكيل النظام العالمي، لأسباب داخلية وخارجية معقدة.

وبذلك، يمكن القول إن الصين تمثل قوة اقتصادية وصناعية صاعدة ومهمة، لكنها لا تزال في مرحلة التنامي، حيث إن الاقتصاد وحده لا يكفي لإنتاج هيمنة عالمية شاملة. والدليل التاريخي على ذلك أن بريطانيا، حين تجاوزتها الولايات المتحدة، كانت لا تزال قوة اقتصادية كبرى، ومع ذلك تراجعت إمبراطوريتها لصالح قوة أكثر شمولًا في البنية الاقتصادية والعسكرية والثقافية والسياسية.

وعليه، فإننا نعيش اليوم حالة من التعددية الجزئية أو الثنائية النسبية في موازين القوة، إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما يخلق فرصة تاريخية لإعادة تشكيل النظام العالمي، لكن دون أن يعني ذلك، حتى الآن، نهاية مركزية القوة الأمريكية أو انتقالها الكامل إلى بديل واضح.

إنّ ما يجري هو محاولات صعود متفرقة، لكنها لم تتحول بعد إلى مشروع بديل مكتمل قادر على إزاحة الهيمنة الأمريكية أو استبدالها بشكل جذري. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع حضاري واقتصادي بديل، لا يقتصر على التوازن الجيوسياسي، بل يتجاوز ذلك نحو بناء رؤية إنسانية جديدة.

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى ما يُعرف تاريخيًا بـ"إنجيل جيفرسون"، المنسوب إلى توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، والذي أعاد فيه صياغة الإنجيل عبر حذف ما اعتبره عناصر خارقة للطبيعة، والاكتفاء بالتعاليم الأخلاقية والحكم والمواعظ، متأثرًا بروح التنوير والنزعة العقلانية ونقد المؤسسة الدينية التقليدية. وقد شكّل ذلك نموذجًا مبكرًا لما يمكن تسميته بـ"لاهوت إنساني أخلاقي" منفصل عن الغيبية.

في المقابل، لا يزال العالم العربي والإسلامي يعيش حالة من الاستنزاف في صراعات داخلية وتاريخية ممتدة، لم تُحلّ فكريًا أو حضاريًا أو سياسيًا، بل أُعيد إنتاجها عبر أشكال مختلفة من التوترات المستمرة، ما يجعل هذا الواقع عائقًا أمام أي مشروع نهضوي شامل.

إننا لا نزال، في كثير من الحالات، أسرى نزاعات تاريخية عمرها قرون، تُعاد صياغتها في الحاضر دون أفق نهائي للحل، في ظل غياب مشروع فكري جامع، يقابله في أحيان كثيرة تخلف بنيوي مزدوج: تخلف في بنية الفكر، وتخلف في بنية الواقع.

وفي هذا السياق، نشأت أيضًا منظومات من البروباغندا والأيديولوجيا التي أعادت إنتاج الصراع بدل تجاوزه. وقد سبق لعالم النفس سيغموند فرويد أن أثار جدلًا واسعًا حين طرح تصوّراته حول اللاوعي، وعقدة أوديب، وتأثير الكبت والعنف على البنية النفسية للإنسان.

غير أن بعض الانتقادات لاحقًا اعتبرت أن جانبًا من تلك الأطروحات خضع لإعادة تفسير أو تسييس، سواء في سياق العلاقة بين الفرد والمجتمع، أو في حدود تفسيره للصدمة والذاكرة، إذ رُئي أن بعض التحولات في مسيرته النظرية ارتبطت بضغط اجتماعي وثقافي، وبسياق العلاقة مع البنية البرجوازية في فيينا آنذاك.

وبغضّ النظر عن الجدل العلمي الدقيق حول هذه التفاصيل، فإن الدلالة الأوسع تكمن في أن الأزمات النفسية والاجتماعية لا تنفصل عن البنى السياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إن أزمات العالم العربي لا تتعلق فقط بعوامل خارجية كـالاستعمار أو التدخلات الدولية، بل تتصل أيضًا ببنى داخلية معقدة، من بينها الفساد، وتشابك النخب مع شبكات النفوذ الإقليمي والدولي، والارتهان السياسي والاقتصادي، وهو ما تؤكده العديد من الوثائق والتحليلات المرتبطة بالسياسات الاستخباراتية الغربية والإقليمية.

وعليه، فإن أي حديث عن النظام العالمي الجديد، أو عن تجاوز الهيمنة القائمة، يظل ناقصًا ما لم يُقترن بمشروع حضاري بديل، يقوم على إعادة بناء الإنسان، والعقل، والدولة، والمعنى، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج الصراعات القديمة بأشكال جديدة.