جوزيف بوهيا

سيادة تحتاج إلى دليل

دقيقتان للقراءة

لم تعد أزمة الدولة اللبنانية محصورة في عجزها عن تنفيذ قراراتها، بل باتت تطاول قدرتها على إقناع اللبنانيين والعالم بأن ما تعلنه يعكس حقيقة ما يجري على الأرض. فعندما أعلنت قيادة الجيش تحقيق أهداف المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب الليطاني، بدا أن مسار استعادة السيادة قد بدأ فعلاً. لكن الحرب اللاحقة كشفت أن المنطقة لم تكن مقفلة أمام عودة المسلحين والسلاح، وأن السيطرة المعلنة كانت أقل رسوخاً مما أوحت به البيانات.

الجيش هو جيش اللبنانيين جميعاً، والمؤسسة التي لا يمكن أن تقوم الدولة من دونها. غير أن دوره يبقى مرتبطاً بقرار سياسي يحدد مهمته وسقف تحركه. فلا يمكن تكليفه احتكار السلاح، ثم مطالبته بالتفاهم مع الجهة المطلوب إخضاعها للقانون، أو إلزامه بالتوقف كلما جرى التلويح بخطر الفتنة. هكذا يتحول الحذر من وسيلة لحماية الاستقرار إلى قيد يمنع قيام الدولة.

وفي المقابل، لا تعني حماية المؤسسة إعفاء أداء قيادتها من المساءلة. فالفارق بين «السيطرة العملانية» والسيادة الفعلية ليس تفصيلاً لغوياً. وعندما تصبح كل خطوة مرتبطة بآلية تحقق دولية، فهذا يعني أن الخارج لم يعد يكتفي بالإعلانات اللبنانية، بل يريد أدلة ميدانية على أن المواقع فُككت، والأنفاق أُغلقت، والسلاح لم يعد قادراً على العودة.

كما أن العقوبات الأميركية التي طالت مسؤولاً في مخابرات الجيش بتهمة تزويد الحزب بمعلومات حساسة كانت تستوجب تحقيقاً شفافاً، لا دفاعاً معنوياً عاماً. فالتحقيق هو الذي يثبت الحقيقة ويحمي المؤسسة، أما الصمت فينقل الشبهة من الفرد إلى الجهاز ويبدد ما تبقى من الثقة.

المطلوب يبدأ بقرار تنفيذي يصدر عن مجلس الوزراء: تحديد المواقع المطلوب تسليمها، ومنح مهلة معلنة لإخلائها، ثم دخول الجيش إليها من دون اشتراط موافقة الحزب. وعلى قيادة الجيش أن ترفع تقارير شهرية تتضمن عدد المواقع المضبوطة والأنفاق المقفلة والأسلحة المصادرة، على أن تخضع النتائج لتدقيق مستقل يحفظ صدقية الدولة، لا لينوب عنها.

حصر السلاح حاجة لبنانية قبل أن يكون مطلباً خارجياً. وإذا لم تستعد الدولة قرارها بنفسها، ستستمر القوى الخارجية في التحقق عنها والتفاوض بدلاً منها ورسم حدود سيادتها. عندها لن تكون المشكلة في ضعف الجيش، بل في سلطة امتلكت الشرعية ثم ترددت في استخدامها.