جاد الاخوي

الحكومة لم تبدأ الحرب: لماذا يريد الثنائي تحميل الدولة ثمن قرار "الحزب"؟

6 دقائق للقراءة

ليس أكثر ظلماً في النقاش السياسي اللبناني اليوم من محاولة تحميل الحكومة مسؤولية حرب لم تبدأها، ثم محاسبتها على نتائج قرار عسكري لم تتخذه.

فالسؤال الذي يجب طرحه بوضوح هو: من اتخذ قرار الحرب؟ ومن كان يملك قرار السلم والحرب؟ ومن كان داخل الحكومة ومن كان خارجها عندما اتُّخذ القرار العسكري؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلاً سياسياً، بل هي جوهر المشكلة اللبنانية.

فإذا كان حزب الله قد اتخذ قرار فتح المواجهة العسكرية مع إسرائيل من خارج مؤسسات الدولة، ثم اندلعت الحرب وما رافقها من دمار وخسائر ونزوح، فمن الظلم والافتراء أن تُحمّل الحكومة المسؤولية الكاملة عن الحرب ونتائجها. يمكن انتقاد الحكومة على أدائها في إدارة الأزمة، وعلى سياستها التفاوضية، وعلى قدرتها على حماية اللبنانيين وإدارة مرحلة ما بعد الحرب، لكن لا يجوز قلب المسؤوليات وتحويل من لم يتخذ قرار الحرب إلى المسؤول الأول عنها.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة في موقف الثنائي، حزب الله وحركة أمل.

فالثنائي يشارك في الحكومة، ويحتفظ بوزرائه داخلها، لكنه يهاجم الحكومة ورئيسها بشدة، ويرفض عدداً من قراراتها، وخصوصاً ما يتصل بحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم والتفاوض.

والسؤال البديهي هو: إذا كانت الحكومة، كما يقول الثنائي، مسؤولة عن الكارثة، فلماذا لا يستقيل وزراؤه منها؟

وإذا كانت الحكومة قد أخطأت في إدارة الحرب، فلماذا لا يتحمل وزراء الثنائي مسؤوليتهم السياسية عنها من داخلها؟

أما إذا كان الاعتراض على أصل الحرب، فالسؤال يصبح أكثر وضوحاً: هل كانت الحكومة هي التي قررت الحرب؟

الجواب لا.

الحكومة لم تكن صاحبة قرار إطلاق الصواريخ أو فتح الجبهة. بل إن موقفها كان واضحاً في اتجاه إعادة التأكيد على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، وأن أي عمل عسكري خارج مؤسساتها لا يمكن أن يستمر.

وهنا يجب الفصل بين مسألتين لا يجوز خلطهما: مسؤولية بدء الحرب، ومسؤولية إدارة تداعياتها.

يمكن محاسبة الحكومة على كيفية تعاملها مع الحرب، ويمكن مساءلتها عن المفاوضات، وعن الإعمار، وعن حماية المدنيين، وعن أداء مؤسسات الدولة. لكن ذلك لا يعني بأي شكل من الأشكال نقل مسؤولية قرار الحرب إليها.

فإذا اتخذ حزب سياسي قراراً عسكرياً مستقلاً عن الدولة، لا يمكنه بعد ذلك أن يقول إن الدولة مسؤولة عن كل ما ترتب على هذا القرار.

هذه ليست معادلة سياسية عادلة.

الأخطر أن الثنائي يريد، في الوقت نفسه، الاحتفاظ بموقعه داخل الحكومة. وهنا تظهر الازدواجية بأوضح صورها: المشاركة في السلطة عندما تكون المشاركة مفيدة، ومهاجمة السلطة عندما تصبح المسؤولية مكلفة.

فالوزير الذي يدخل الحكومة لا يمكن أن يكون وزيراً لحزبه فقط. هو وزير في الجمهورية اللبنانية، ووجوده في مجلس الوزراء يعني مشاركته في السلطة التنفيذية، وتحمله مسؤولية سياسية عن أداء الحكومة وقراراتها ضمن الأصول الدستورية.

أما أن يبقى الوزير داخل الحكومة بينما يقول حزبه إن الحكومة فاشلة أو متآمرة أو تتخذ قرارات خطيرة، فهذا يضع الثنائي أمام خيار واضح:

إما أن الحكومة مقبولة بما يكفي للبقاء فيها، وبالتالي عليه تحمل مسؤولية المشاركة؛

وإما أنها غير مقبولة، وبالتالي عليه أن ينسحب منها ويذهب إلى المعارضة.

أما الجمع بين الموقعين فهو محاولة للحصول على مزايا السلطة من دون تحمل كلفة السلطة.

وهذا ليس جديداً في الممارسة السياسية اللبنانية. فقد استخدمت قوى سياسية مختلفة، ومنها الثنائي، المقاطعة والانسحاب الجزئي والتهديد بالاستقالة كوسائل ضغط، من دون التخلي فعلياً عن مواقعها في السلطة.

لكن المرحلة الحالية مختلفة.

لبنان أمام سؤال وجودي يتعلق بمن يملك قرار الحرب والسلم، ومن يملك السلاح، ومن يمثل الدولة في المفاوضات، ومن يتحمل مسؤولية الأمن والسياسة الخارجية.

وهنا لا يمكن الاستمرار في المعادلة القديمة التي تقول إن الدولة مسؤولة عندما تنجح، وحزب الله مسؤول عندما يريد أن يعلن انتصاره، والدولة مسؤولة عندما تقع الحرب والدمار.

وإذا كان حزب الله يعتبر أن قراره العسكري كان صحيحاً، فليتحمل مسؤوليته السياسية كاملة. وإذا كان يعتبر أن الحكومة أخطأت في إدارة النتائج، فليعارضها وفق الأصول الديمقراطية، وليقدم بديلاً سياسياً واضحاً.

أما أن يبقى في الحكومة، ويشارك في مؤسساتها، ثم يتنصل من مسؤولية الحكومة عندما تكون النتائج صعبة، فهذه ليست معارضة مسؤولة.

وفي المقابل، يجب أن يكون النقد موجهاً أيضاً إلى الحكومة إذا قصّرت.

ليس المطلوب إعفاء الحكومة من المساءلة. الحكومة مسؤولة عن حماية المواطنين ضمن إمكاناتها، وعن إدارة مؤسسات الدولة، وعن التفاوض، وعن تطبيق قراراتها، وعن إعادة الإعمار، وعن استعادة السيادة الكاملة.

لكن المساءلة شيء وتحميل المسؤولية عن قرار لم تتخذه الحكومة شيء آخر تماماً.

كما لا يجوز، في المقابل، أن تتحول هذه الحجة إلى تبرئة لإسرائيل من مسؤولية ما ارتكبته خلال الحرب. فبدء الحرب لا يعني أن كل ما تلاها يصبح مشروعاً أو أن الطرف الآخر معفى من مسؤولية أفعاله وانتهاكاته.

هذه هي العدالة السياسية.

لكن المشكلة الأكبر أن الثنائي يبدو حتى الآن راغباً في الاحتفاظ بالمعادلة القديمة: السلاح خارج الدولة، والتمثيل داخل الدولة، والقرار العسكري خارج الحكومة، والاعتراض على نتائج القرار داخل الحكومة.

وهذه المعادلة لم تعد قابلة للاستمرار.

فإذا كان حزب الله يريد أن يكون حزباً سياسياً لبنانياً، فعليه أن يقبل بقواعد الدولة اللبنانية كاملة: قرار الحرب والسلم للدولة، والسلاح للقوى الشرعية، والحكومة صاحبة السلطة التنفيذية، ومجلس النواب مساحة للمحاسبة، والمعارضة مكانها خارج السلطة.

والسؤال الحقيقي اليوم ليس لماذا تنتقد الحكومة حزب الله أو لماذا ينتقد حزب الله الحكومة.

السؤال هو: من يحكم لبنان؟

هل الحكومة هي صاحبة القرار، أم أن هناك قوة سياسية تستطيع أن تتخذ قرار الحرب ثم تطلب من الحكومة أن تدير نتائج القرار؟

إذا كان الجواب أن الدولة هي صاحبة القرار، فلا بد أن تكون هذه القاعدة شاملة للجميع.

وإذا كان الثنائي يرفض قرارات الحكومة، فليستقل وزراؤه.

لا يجوز أن تكون الدولة شماعة تُحمّل مسؤولية كل شيء، فيما تبقى القرارات الأساسية خارج مؤسساتها.

لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من توزيع المسؤوليات والهروب منها. يحتاج إلى قاعدة واضحة: من يملك القرار يتحمل مسؤوليته، ومن يشارك في السلطة يتحمل مسؤولية مشاركته، ومن يعارض الحكومة يمارس معارضته من خارجها.

أما تحميل الحكومة مسؤولية حرب لم تبدأها، ثم الإصرار في الوقت نفسه على البقاء داخلها، فليس فقط تناقضاً سياسياً؛ بل هو ظلم للدولة واللبنانيين الذين دفعوا ثمن قرارات لم يكونوا شركاء فيها.

لقد حان الوقت للخروج من سياسة «نحن في السلطة ولسنا مسؤولين عنها».

إما دولة واحدة بقرار واحد، أو أن يبقى لبنان أسير معادلة خطيرة: حزب يقرر، وحكومة تدفع الثمن، وشعب يتحمل الخسائر.