داود رمال

ما بعد اليونيفيل: لبنان يرفض الفراغ ويبحث عن قوة دولية بديلة

4 دقائق للقراءة
الاتجاه الدولي لا يزال ثابتًا نحو إنهاء مهمة "اليونيفيل"

يتقدم ملف مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بسرعة لافتة، مع اقتراب نهاية العام الحالي، الموعد المحدد لانتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان "اليونيفيل"، في وقت بات فيه لبنان الرسمي أكثر وضوحًا في إبلاغ الدول الشقيقة والصديقة، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، بأنه لا يريد على الإطلاق أن يدخل الجنوب مرحلة فراغ دولي بعد مغادرة القوات الدولية مواقعها ومراكزها. فالمسألة بالنسبة إلى بيروت لم تعد مرتبطة فقط بمصير "اليونيفيل"، وإنما بما سيأتي بعدها، وبكيفية ضمان استمرار الحضور الدولي في منطقة لا تزال تحت الاحتلال وشديدة الخطورة أمنيًّا وعسكريًّا وسياسيًّا.

ومع بدء "اليونيفيل" عمليًّا عملية إخلاء مواقعها ومراكزها، تسارعت الاتصالات اللبنانية على مستويات رفيعة للبحث عن صيغة بديلة تحول دون حصول فجوة بين انتهاء مهمة القوة الدولية وبدء أي ترتيبات جديدة. ويبدو من حصيلة اللقاءات والاتصالات الجارية أن الاتجاه الدولي لا يزال ثابتًا نحو إنهاء مهمة "اليونيفيل" بصيغتها الحالية، رغم المحاولات اللبنانية السابقة والمستمرة للدفع في اتجاه إصدار قرار جديد عن مجلس الأمن يمدد المهمة الحالية. وبذلك، بات النقاش ينتقل تدريجيًا من محاولة الإبقاء على "اليونيفيل" إلى البحث في طبيعة القوة التي يمكن أن تحل مكانها، وآلية تشكيلها والجهة التي ستتولى الإشراف عليها والتفويض الذي ستعمل بموجبه.

وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان لأن أي انسحاب دولي من دون بديل واضح قد يفتح الباب أمام واقع أمني بالغ التعقيد. ولذلك، فإن الموقف اللبناني يقوم على قاعدة أساسية مفادها أن الجنوب لا ينبغي أن يكون بلا حضور دولي، لمواكبة انتشار الجيش وتعزيز قدرته على تثبيت سلطة الدولة ومنع عودة التوترات إلى المناطق التي يعمل الجيش على بسط سيطرته فيها. ومن هنا جاءت الاتصالات اللبنانية المكثفة مع العواصم المعنية، في محاولة لتأمين صيغة دولية تحافظ على الاستقرار وتمنح المرحلة الانتقالية غطاءً سياسيًّا وأمنيًّا واضحًا.

وفي موازاة ذلك، برز اقتراح تشكيل قوة متعددة الجنسيات تشارك فيها دول مستعدة لإرسال وحدات إلى لبنان، على أن تعمل تحت راية الأمم المتحدة وبصيغة مختلفة عن "اليونيفيل" الحالية. وتوجد دول أوروبية تبدو مستعدة للمشاركة في مثل هذه القوة، إلا أن ولادتها تحتاج إلى توافق دولي واسع، وفي مقدم شروطها موافقة الولايات المتحدة الأميركية، نظرًا إلى موقع واشنطن المحوري في الترتيبات السياسية والأمنية التي يجري العمل عليها في الجنوب، فضلا عن دورها الأساسي في رعاية المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.

وهنا يتقاطع ملف القوة الدولية الجديدة مع ترتيبات أوسع يجري بحثها في إطار الآلية التنسيقية التي ستتولى متابعة تنفيذ التفاهمات الأمنية والتحقق من طبيعة الوضع الميداني. والفكرة المطروحة تقوم على أن تكون هناك جهة قادرة على التحقق من المناطق النموذجية التي يدخل إليها الجيش اللبناني، والتأكد من أن الجيش هو القوة الموجودة فيها وحده، وأن هذه المناطق خالية من السلاح والمسلحين، باستثناء سلاح الجيش اللبناني. إلا أن النقاش لا يتوقف عند حدود التحقق الميداني، إذ يبدو أن هناك توجهًا إلى إعطاء القوة الجديدة دورًا أكثر استدامة واتساعًا، بحيث لا تكون فريق تفتيش أو بعثة موقتة، وإنما قوة تساهم في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين ومنع عودة أي مظاهر مسلحة أو عسكرية تهدد الاستقرار.

وفي هذا السياق، تبدو بريطانيا وإيطاليا وسويسرا مرشحة لأن تشكل نواة القوة التي يجري التداول بها، مع بقاء حجمها النهائي وطبيعة انتشارها وتركيبتها موضع تفاوض. والأهم من عدد عناصرها هو مسألة الديمومة، لأن لبنان يريد تجنب تجربة قوة تأتي لفترة قصيرة لتنفيذ مهمة محددة ثم تنسحب، بما يعيد إنتاج المشكلة نفسها. المطلوب، وفق هذا التصور، وجود دولي قادر على الاستمرار ومواكبة المرحلة الأمنية الجديدة، بالتوازي مع تعزيز دور الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الرسمية صاحبة الاختصاص على الأرض.

ووفق المعطيات، فإن التطور الأبرز في الاتصالات الحالية يتمثل في انتقال البحث من سؤال "هل تستمر اليونيفيل؟" إلى سؤال أكثر تعقيدًا "ما هو البديل الذي سيأتي بعدها؟". وفيما يبدو أن قرار إنهاء المهمة الحالية لا عودة عنه، فإن المعركة الدبلوماسية اللبنانية تتركز الآن على منع حصول فراغ، وعلى ضمان أن يكون البديل ذا تفويض واضح وقدرة فعلية على العمل والاستمرار. فالمطلوب ليس استبدال راية براية أخرى، بل بناء ترتيبات دولية جديدة تتكامل مع انتشار الجيش اللبناني، وتوفّر آلية تحقق موثوقة، وتساهم في تثبيت الأمن والسلم في الجنوب، بما يجعل نهاية "اليونيفيل" انتقالا منظمًا إلى مرحلة جديدة، لا بداية لمرحلة من الغموض الأمني والسياسي.