ليس غريباً على المشهد اللبناني أن تتغلب السريالية على المنطق، لكن أن تصل السريالية إلى حدّ تفريغ القرارات السيادية للدولة من مضمونها عبر «مخارج بيروقراطية»، فذلك هو المؤشر الأوضح على أن عجلة بناء الدولة ليست متوقفة فحسب، بل تبدو كأنها بلا محرّك ولا أدوات قيادة.
في هذا المشهد، يبرز موقف وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي من قضية ترحيل السفير الإيراني السابق، كصوت سيادي واضح داخل سلطة مترددة، عاجزة عن تحويل قراراتها إلى أفعال، وعن فرض هيبة الدولة حيث يجب أن تكون الكلمة الأخيرة لها.
فماذا ننتظر من سلطة، بعد أكثر من عام على إعلان قرارات حصر السلاح بيد الدولة، ما زالت عاجزة عن ترجمة هذه القرارات على الأرض، حتى في العاصمة بيروت؟ وكيف يمكن بناء دولة إذا كانت السلطة نفسها تسمح بتحويل قراراتها السيادية إلى أوراق قابلة للتعطيل والالتفاف والتسويف، بل وحتى التسخيف؟
فالدولة التي لا تنفّذ قراراتها لا تفقد هيبتها فحسب، بل تفقد المعنى الحقيقي لوجودها.
يحاول رجّي، بثقة وإصرار، تثبيت أعراف الدولة واحترام القانون الدولي، في مواجهة نهج إداري يسمح بتجاوز قرار سيادي رسمي يقضي بإبعاد سفير إيراني سابق أُعلن شخصاً «غير مرغوب فيه»، من خلال التعامل معه بصفة «مواطن عادي».
هنا يصبح المشهد أقرب إلى عبثية المسرحية الرحبانية «ميس الريم»، حيث تتوقف السيارة فيما ينشغل الجميع بتفسير سبب تعطلها والبحث عن المخارج، بينما الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تفسير هي أن السيارة لا تتحرك.
وهذا تماماً ما يحدث اليوم: بدل تنفيذ القرار السيادي، ينشغل البعض بتدوير الزوايا والبحث عن مخرج إداري يلتف على جوهره.
ما يخوضه وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي ليس مجرد خلاف إداري مع جهاز أمني، ولا نزاعاً حول توصيف إقامة أو إجراء إداري، بل هو مواجهة مباشرة حول معنى القرار السيادي وهيبة الدولة. فإذا كانت الدولة قد اتخذت قراراً رسمياً بعدم رغبتها في وجود شخص على أراضيها، فلا يمكن أن يصبح هذا القرار قابلاً للالتفاف عليه بمجرد تغيير الصفة القانونية أو الإدارية. وإلا تحولت القرارات السيادية إلى مجرد اقتراحات قابلة للتأويل والتسويف، وفقدت الدولة حقها في أن تقول كلمتها الأخيرة.
فالسيادة لا تُحفظ بتغيير التسميات، ولا تُصان بالمخارج الإدارية. السيادة تبدأ حين يصبح قرار الدولة قراراً نافذاً، لا ورقة تبحث المؤسسات عن طريقة لتجاوزها.
القضية اليوم ليست في اسم الخانة التي توضع فيها الإقامة، ولا في العبارة التي تُكتب على المعاملة. القضية في هيبة القرار الذي اتخذته الدولة.
أما تجديد الإقامة تحت بند «مواطن عادي»، فيطرح سؤالاً أكبر من الإقامة نفسها: هل تستطيع الدولة أن تتخذ قراراً سيادياً ثم تسمح لإجراء إداري بأن يفرغه من مضمونه؟
هنا تحديداً تكمن خطورة المشهد. فالالتفاف على القرار لا يلغي القرار، بل يضرب الثقة بفكرة الدولة نفسها. إذ كيف يُطلب من المواطن احترام القانون والقرارات الرسمية، إذا كانت المؤسسات ذاتها تستطيع تجاوز قرار سيادي بمخرج إداري؟
ما يجري ليس مجرد تباين في الصلاحيات بين وزارة وأجهزة أمنية، بل صورة مصغّرة عن أزمة الدولة اللبنانية: دولة بارعة في إنتاج المخارج، لكنها عاجزة عن إنتاج التنفيذ.
الدولة تُبنى عندما يكون القرار واضحاً، والمرجعية واحدة، والتنفيذ إلزامياً على الجميع، من دون استثناءات أو تأويلات أو أبواب خلفية.
لهذا، فإن موقف يوسف رجّي يتجاوز شخص الوزير والملف الذي يخوضه. إنه يضع أمام السلطة سؤالاً بسيطاً لكنه حاسم: هل نريد دولة تتخذ القرارات، أم سلطة تبحث دائماً عن مخرج لتجاوزها؟
المشكلة ليست في المخارج وتدوير الزوايا، بل في أن أحداً لا يريد أن يسأل السؤال الأبسط: هل هكذا تُبنى الدول؟ وهل هكذا تُستعاد هيبة الدولة؟
أم أن السيارة، ببساطة، «مش عم تمشي»؟