جان الفغالي

هذه المرة الحقّ (ليس) على الطليان

3 دقائق للقراءة

في لبنان، ثمة لازمة سياسية وشعبية قديمة تقول، عند كل مأزق تقريبًا: "الحق على الطليان". لكنها هذه المرة قد لا تكون في محلها. فالمفارقة أن إيطاليا تبدو، في المشهد المقبل، جزءًا من الحلّ لا من المشكلة، وربما الدولة الأوروبية الأكثر قابلية للاضطلاع بدور أساسي في الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل.

المسألة لا تتعلق باستبدال اسم باسم، أو بعلم إيطالي مكان علم الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة الدور الدولي في جنوب لبنان وفق معادلة سياسية وأمنية جديدة. فقرار إنهاء ولاية اليونيفيل في نهاية عام 2026 جاء أساسًا نتيجة ضغط أميركي، بعدما دفعت واشنطن باتجاه تحديد موعد نهائي للمهمة، معتبرة أن المرحلة المقبلة يجب أن تضع مسؤولية الأمن بصورة أكبر في عهدة الدولة اللبنانية والجيش اللبناني.

ومن هنا تأتي أهمية إيطاليا. فهي ليست وافدًا جديدًا إلى الجنوب، بل تمتلك أحد أكبر المساهمات الأوروبية في اليونيفيل، ويقود ضابط إيطالي منذ آب 2026 أحد القطاعات في الجنوب، كما أن روما راكمت خلال السنوات الماضية علاقة عمل مباشرة مع الجيش اللبناني، ما يمنحها خبرة ميدانية وشبكة علاقات لا تحتاج إلى بنائها من الصفر.

الأهم أن هناك تقاطعًا أميركيًا ـ لبنانيًا متزايدًا حول شكل المرحلة المقبلة: لا عودة إلى اليونيفيل بصيغتها القديمة، ولا فراغ أمنيًا في الجنوب، بل حضور دولي يساعد الجيش اللبناني على تثبيت سلطته ويواكب الترتيبات الأمنية التي يجري التفاوض عليها برعاية أميركية. وقد أفادت تقارير حديثة بأن لبنان وإسرائيل اتفقا، بوساطة أميركية، على إعداد لائحة بدول يمكن أن تشارك في آلية للتحقق من نزع سلاح "حزب الله"، فيما لا يزال شكل القوة المقبلة موضع تفاوض.

وهنا تحديدًا يصبح موقع فرنسا أكثر تعقيدًا. فباريس كانت صاحبة الدور التقليدي في الملف اللبناني، كما أنها حاملة الراية في مجلس الأمن بشأن لبنان، لكنها تجد نفسها أمام مقاربة أميركية جديدة لا تمنحها بالضرورة الدور القيادي الذي اعتادت عليه. بل إن الطرح الفرنسي ـ الإيطالي المشترك لقوة بديلة اصطدم بتحفظات أميركية وإسرائيلية، مع تفضيل واشنطن ترتيبات أكثر التصاقًا بأهدافها الأمنية وبعملية تسليم المسؤوليات إلى الدولة اللبنانية.

لذلك، قد تكون المعادلة المقبلة: إيطاليا هي الواجهة الأوروبية المقبولة، والجيش اللبناني هو صاحب الدور الميداني الأساسي، والولايات المتحدة هي المظلة السياسية والأمنية، وفي هذه الحالة، يصبح القول "الحق على الطليان" مجرد نكتة لبنانية قديمة فقدت صلاحيتها. فهذه المرة، إذا صحّ التقاطع الأميركي ـ اللبناني على الدور الإيطالي، قد يكون "الحق" تحديدًا على الذين لم يفهموا أن قواعد اللعبة في الجنوب تغيّرت.