مايز عبيد

الدراجات النارية على طرقات الشمال: فوضى تهدّد حياة الجميع

3 دقائق للقراءة

دراجة تقتحم المسارات، أخرى تسير بعكس الاتجاه، وثالثة تنطلق بسرعة جنونية بين السيارات والمارة. هو مشهدٌ بات يتكرر يوميًا على طرقات الشمال، حتى تحوّلت الدراجات النارية من وسيلة نقل إلى أزمة مرورية وأمنية حقيقية تهدد حياة السائقين والمشاة على حد سواء.

في طرابلس والمنية وعكار والكورة وزغرتا، لم تعد الفوضى استثناءً. الدراجات النارية أصبحت جزءًا ثابتًا من المشهد، ومعها ارتفعت وتيرة المخالفات والمناورات الخطرة، وسط غياب رقابة قادرة على وضع حد لما يجري. على الطرقات الرئيسية والأحياء الداخلية، يتحوّل بعض سائقي الدراجات إلى ما يشبه "الخطر المتحرك". تجاوز من اليمين، التفاف مفاجئ، قيادة بعكس الاتجاه، اجتياز للإشارات الحمراء، وسرعة لا تتناسب مع طبيعة الطريق، فيما يصبح على سائق السيارة أن يتوقّع في كل لحظة ظهور دراجة أمامه من حيث لا يحتسب.


المشكلة لا تتوقّف عند المخالفات

فغياب الخوذة، والقيادة المتهورة، وعدم الالتزام بقواعد السلامة، تجعل الحوادث أكثر احتمالا، فيما يدفع المارة وسائقو السيارات أحيانًا ثمن أخطاء لم يرتكبوها. آخر فصول هذه الأزمة وقع على أوتوستراد الخناق – أبي سمراء في طرابلس، حيث أدى حادث سير بين دراجتين ناريتين إلى إصابة شخصين، في مشهد يعكس واقعًا بات يتكرر على طرقات الشمال ويطرح علامات استفهام كبيرة حول مستوى الرقابة المرورية.

والأخطر أن هذه الفوضى لا تعرف ساعات أو مناطق محددة. في النهار، تتسلل الدراجات بين السيارات وتربك حركة السير، وفي الليل يتحول بعضها إلى مصدر ضجيج وإزعاج داخل الأحياء السكنية، مع أصوات محرّكات مرتفعة وقيادة متهورة تزعج السكان وتعرّض المارة للخطر. أما المشاة، فهم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. طفل يعبر الطريق، أو مسنّ يسير على حافة شارع أو امرأة، قد يجد نفسه أمام دراجة مسرعة لا تترك له مجالا للابتعاد أو تفادي الاصطدام.

على الطرقات المكتظّة، تتضاعف المخاطر. فالدراجة التي تنتقل فجأة من مسار إلى آخر تجبر السيارات على الفرملة أو الانحراف، ما قد يؤدي إلى حوادث متسلسلة، خصوصًا في أوقات الذروة. وتزداد الخطورة مع بعض الدراجات التي تسير ليلا من دون إضاءة أو عواكس، ما يجعل رؤيتها صعبة على السائقين، فضلا عن الدراجات المعدّلة التي تصدر أصواتًا مرتفعة وتحوّل الأحياء السكنية إلى ساحات ضجيج متواصل. السؤال اليوم لم يعد: هل هناك مخالفات؟ المخالفات واضحة أمام الجميع. السؤال هو: أين الرقابة؟ وأين تطبيق القانون؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية الناس على الطرقات؟ فالمطلوب ليس حملات موقّتة تظهر بعد وقوع الحوادث ثم تختفي، بل خطة جدية لضبط هذه الظاهرة، تبدأ بتطبيق قانون السير بصورة حازمة، وملاحقة المخالفات الخطرة، ومنع القيادة بعكس الاتجاه، والتشدد في السرعة والقيادة الاستعراضية، وإلزام السائقين بمعايير السلامة، وصولًا إلى حجز الدراجات التي تشكل خطرًا واضحًا على السلامة العامة.

فالطرقات ليست ملكًا للدراجات النارية، كما أنها ليست ساحة مفتوحة للمناورات والاستعراض. هناك سيارات ومشاة وطلاب وأطفال وعائلات، ولكل هؤلاء حق أساسي في استخدام الطريق بأمان.

ما يجري اليوم لم يعد مجرد فوضى مرورية عابرة. إنها أزمة كبرى تتوسّع يومًا بعد يوم، وكل حادث جديد يثبت أن تركها من دون معالجة جدية يعني المزيد من الخطر، والمزيد من الإصابات، وربما خسارة أرواح كان يمكن إنقاذها.

الدراجات النارية على طرقات الشمال لم تعد مشهدًا عابرًا. إنها أزمة سلامة عامة تنتظر قرارًا حاسمًا قبل أن يصبح ثمن الفوضى أكبر من قدرة الجميع على تحمّله.