أورور كرم

رحلة الريال الإيراني تختصر سطوة العقوبات

4 دقائق للقراءة
تتحوّل الأزمة الاقتصادية إلى مسألة سياسية واجتماعية (رويترز)

إذا كانت الضربات العسكرية تُظهر حجم المواجهة مع إيران في الميدان، فالجبهة الثانية لا تقلّ تأثيرًا على مستقبل الصراع: جبهة الاقتصاد والحصار. فالعقوبات لا تستهدف المؤشرات المالية فحسب، بل تسعى إلى إعادة تشكيل قدرة طهران على تمويل سياساتها الإقليمية والعسكرية، وإلى تحويل الضغط الاقتصادي إلى أداة سياسية مباشرة ضدّ النظام.

فقبيل الإعلان عن العقوبات غير المسبوقة، يكفي النظر إلى مسار الريال الإيراني لفهم حجم التحوّل الذي أصاب الاقتصاد الداخلي خلال السنوات الماضية، وحجم الرهان الأميركي على استخدام الانهيار النقدي كوسيلة لإضعاف طهران. فالأرقام لا تعكس أزمة مالية عابرة، بل مسارًا متراكمًا من تآكل قدرة الدولة والمجتمع معًا.

في خريف 2016، كان الدولار يساوي نحو 36 ألف ريال إيراني. وبعد انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 وإعادة فرض العقوبات، بدأ التدهور يتسارع. عام 2020، تخطّى عتبة تراوحت بين 250 إلى 300 ألف ريال، ليصل في نهاية 2022 إلى أكثر من 400 ألف ريال.

لكن المسار أصبح أكثر حدّة. ففي بداية 2025، اقترب الدولار من حاجز المليون ريال قبل أن يتخطّاه. وفي كانون الأوّل من العام نفسه، وصل إلى نحو 1.4 مليون ريال. ثمّ تخطّى في نيسان 2026 عتبة 1.8 مليون ريال، وصولًا إلى مستوى قياسي تجاوز مليوني ريال للدولار في السوق غير الرسمية. أي ببساطة، انتقل الدولار من نحو 36 ألف ريال إلى أكثر من مليوني ريال خلال 10 سنوات، وبات يساوي بالعملة الإيرانية أكثر من 55 ضعفًا مقارنة بما كان يساويه عام 2016.

ولا تكمن أهمية هذا المسار في سعر الصرف وحده. فالريال أصبح مؤشرًا على تراجع قدرة الدولة الإيرانية على إدارة اقتصادها، وعلى اتساع الفجوة بين طموحات النظام السياسية والإقليمية، وبين موارده الفعلية. وكلّما تراجعت العملة، ارتفعت كلفة الحفاظ على النفوذ الخارجي وتمويل المؤسّسات العسكرية والأمنية والأذرع في المنطقة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الداخل.

من هذه الزاوية، لا تبدو العقوبات والحصار البحري مجرّد سياسة لمعاقبة إيران اقتصاديًا، بل جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليص هامش الحركة أمام طهران. في الداخل، كلّ تراجع للعملة يعني ارتفاعًا في كلفة الاستيراد، وبالتالي ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية والسلع الأساسية. في المقابل، لا ترتفع رواتب الإيرانيين بالوتيرة نفسها، ما يعني عمليًا تراجع القدرة الشرائية وتآكل المدّخرات. وقد بلغ التضخم السنوي نحو 66 في المئة في تموز الماضي، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنحو 128 في المئة على أساس سنوي.

وهنا تتحوّل الأزمة الاقتصادية إلى مسألة سياسية واجتماعية. فحين يعجز المواطن عن تأمين احتياجاته، لا يعود ينظر إلى العقوبات والحصار باعتبارهما ملفًا خارجيًّا أو صراعًا بين واشنطن وطهران، بل يربطهما مباشرة بأداء النظام وبأولوياته. وأصبحت المعادلة أصعب اليوم، إذ لا تواجه إيران الجولة الجديدة من العقوبات والحصار من الموقع نفسه الذي كانت فيه عام 2018. فهي تدخل هذه المرحلة بعد أشهر من الحرب، مع اقتصاد أكثر إنهاكًا، وبنى تحتية متضرّرة، وتجارة تواجه صعوبات أكبر.

يبدو أن واشنطن تراهن على نقل جزء من المواجهة من الميدان إلى الداخل الإيراني: تجفيف مصادر الأموال، خفض قدرة طهران على تمويل الحرب، تقليص نفوذها الإقليمي، زيادة كلفة النقل والتجارة، ورفع الكلفة السياسية والاقتصادية التي يتحمّلها النظام. لكن هذه الكلفة لا تبقى داخل مؤسّسات الدولة. فهي تصل سريعًا إلى الإيراني العادي. وهذا ما يمنح العقوبات والحصار بعدًا سياسيًا: فهما لا يضغطان على الحكومة من الخارج فقط، بل يختبران قدرتها على الحفاظ على شرعيتها في الداخل، وعلى إقناع المجتمع بأن استمرار المواجهة يستحقّ هذه الكلفة.