هناك صور تمرّ أمامنا كخبر عابر، وهناك صور تختصر مرحلة كاملة.
الصورة التي رأيتها في قصر بعبدا، مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمام وفد إماراتي اقتصادي كبير، كانت بالنسبة إليّ من النوع الثاني. صورة لم أكن أتخيّل، قبل وقت قريب، أن أراها مجدداً بهذه القوة وهذه الرصانة: الإمارات تعود إلى لبنان، ليس بوفد بروتوكولي، ولا بزيارة مجاملة، بل بوفد اقتصادي كبير، برئاسة وزير الدولة للتجارة الخارجية ثاني بن أحمد الزيودي، يضم عشرات رجال الأعمال والقيادات الاقتصادية، لفتح صفحة جديدة عنوانها الاستثمار والشراكة.
هذه ليست تفاصيل تقنية. هذه لغة ثقة.
ولعل الأهم أن رئيس الجمهورية نفسه التقط معنى اللحظة، عندما قال أمام الوفد الإماراتي إن الزيارة تحمل "رسالة أمل وثقة باستقرار لبنان ومستقبله" وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون والاستثمار.
أنا شخصيًا أقرأ هذه الزيارة بطريقة أبعد من الاقتصاد.
فعندما يأتي المستثمر إلى بلد، فهو لا يستثمر فقط في أرض أو شركة أو مشروع. هو يستثمر أولا في الثقة.
وإذا كانت الإمارات قد قررت أن ترسل إلى لبنان هذا العدد من رجال الأعمال والقيادات الاقتصادية، وأن تبحث معه في قطاعات التجارة والصناعة والزراعة والسياحة والطاقة واللوجستيات والطيران وغيرها، فهذا يعني أن هناك شيئًا بدأ يتغيّر في نظرة الإمارات إلى لبنان.
وهنا أصل إلى النقطة التي أراها الأهم.
فالإمارات لم تكن تنتظر أن تصبح الظروف مثالية كي تبني دولة حديثة. لقد بنت رؤيتها.
وهنا أقول إنه علينا أن نفعل ما فعلته الإمارات: أن نبني نموذجنا الخاص، انطلاقًا من نقاط قوتنا.
لبنان لديه شيء لا يمكن شراؤه بسهولة: الإنسان اللبناني.
لدينا طاقات هائلة في الداخل والاغتراب، ولدينا أطباء ومهندسون ومصرفيون ورجال أعمال وأصحاب فنادق وشركات تكنولوجيا وإعلاميون ومستشارون ومبدعون. واللافت أن الوزير الإماراتي نفسه تحدث أمام الرئيس عون عن تميّز المهارات اللبنانية ودورها في المؤسسات الإماراتية.
لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الكلام عن النهوض، لبنان يحتاج إلى مشاريع. ولا يحتاج فقط إلى مساعدات، يحتاج إلى استثمارات. ولا يحتاج فقط إلى وعود، يحتاج إلى ثقة.
وهذه الثقة لا تُبنى ببيانات سياسية، بل بصور كهذه: وفد اقتصادي إماراتي كبير في بيروت، اجتماعات في قصر بعبدا، لقاءات مع الدولة والقطاع الخاص، مذكرات تفاهم، مجلس أعمال مشترك، ووزير إماراتي يتحدث عن فرص لبنان وعن قدرات اللبنانيين.
هذه الصورة، بالنسبة إليّ، تحمل رسالة أكبر من كل الاتفاقات التي وقّعت.
إنها تقول إن لبنان لم يُشطب من الخريطة. بل هناك من بدأ يرى فيه فرصة من جديد.
والمسؤولية الآن تقع علينا. الإمارات قامت بتجربتها لأنها امتلكت رؤية. فهل نملك نحن اليوم رؤية للبنان؟ هل نريد أن نبني بيروت جديدة؟ هل نريد أن نجعل من طرابلس مركزًا اقتصاديًا حقيقيًا؟ هل نريد أن نعيد تشغيل مرافئنا ومطاراتنا وقطاعاتنا السياحية والصناعية والزراعية؟ هل نريد أن نحول موقع لبنان الجغرافي وطاقاته البشرية وانتشاره العالمي إلى قوة اقتصادية؟ إذا كان الجواب نعم، فعلينا ألا نضيّع هذه اللحظة. لأن الإمارات عندما تعود إلى لبنان، لا تعود فقط بأموالها. تعود بخبرتها، بعلاقاتها، بثقتها، وبنموذج دولة نجحت في أن تصنع من المستقبل مشروعًا.
واللبنانيون، الذين كانوا جزءًا من نجاح ذلك المشروع، يستطيعون اليوم أن يكونوا جزءًا من نجاح مشروع لبنان.
لذلك، عندما رأيت اليوم تلك الصورة في قصر بعبدا، لم أرَ فقط رئيس الجمهورية أمام وفد إماراتي. رأيت شيئًا أوسع بكثير: رأيت بابًا يُفتح.
فهل يعرف لبنان كيف يدخل منه؟
شريك في نداء الوطن