محمد دهشة

عرسٌ جماعي في صيدا... باب للفرح أغلقتها الأزمات والحرب

5 دقائق للقراءة

بعد أيام قليلة، يستعدّ 60 عريسًا وعروسًا لدخول القفص الذهبي معًا، في الثالث من أيلول 2026، خلال عرس جماعي ينظّمه رجل الأعمال والمستشار سامي بقاعي، في قاعة "لاسال" في الرميلة – صيدا.

لكن هذا العرس لا يبدو مجرّد احتفال جماعي بالزواج، إذ تتجاوز دلالته لحظة الفرح نفسها، ليحمل رسالة وطنية واجتماعية، عنوانها احتضان أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان، الذين أثقلت كاهلهم الظروف المعيشية والاقتصادية، وحالت في كثير من الأحيان دون قدرتهم على تحمّل تكاليف الزواج ومتطلباته.

وفكرة الأعراس الجماعية ليست جديدة، فقد شهد لبنان مناسبات عدة من هذا النوع، غير أن خصوصية المبادرة التي أطلقها المستشار بقاعي تكمن في توقيتها ودلالتها. فهي تأتي بعد مآسي الحرب الإسرائيلية على لبنان، وما خلّفته من دماء ودمار، فيما نالت المخيمات الفلسطينية نصيبًا كبيرًا من آثارها، لتبدو المبادرة وكأنها محاولة لوضع شيء من الفرح فوق جراح ما زالت مفتوحة، وعلى ذاكرة مثقلة بالتضحيات.

وتأتي المبادرة كذلك في ظل الضائقة الاقتصادية والمالية الخانقة، والأوضاع المعيشية التي ترهق العائلات وتدفعها إلى تأجيل الكثير من استحقاقات الحياة. ويعيش أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان منذ سنوات تحت وطأة ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، جعلت الزواج بالنسبة إلى كثير من الشباب مشروعًا مؤجلًا، لا بسبب غياب الرغبة في تأسيس أسرة، وإنما بسبب الكلفة والمتطلبات.

وكشف جدول اختيار العرسان أن عددًا منهم لم يتمكنوا من إتمام الزواج بسبب الأعباء المالية المرتبطة بحفل الزواج نفسه، فيما امتدت خطوبة بعضهم إلى ثلاث وأربع وخمس سنوات، وكأن الزواج ظلّ موعدًا مؤجلًا عند أبواب الحياة، ينتظر قدرة مادية قد لا تأتي.

لكن المستشار بقاعي يؤكد لــ "نداء الوطن"، أن جوهر المبادرة لا يتمثل في إقامة عرس جماعي بحد ذاته، فقد سبق وأن نظّم أكثر من عرس جماعي خلال السنوات الماضية وفي مناطق مختلفة من لبنان، وإنما في الفكرة التي تقف خلف العرس: التكافل الاجتماعي ومساعدة الشباب على الانتقال من الانتظار - الخطوبة إلى الحياة – الزواج.

ويرى بقاعي أن المبادرة انطلقت أساسًا من قراءة للواقع الاقتصادي، ومن ملاحظة نمط المساعدة السائد في المجتمع. فعندما يحتاج شخص إلى عملية جراحية، تتوجه المساعدات إليه، وعندما يكون شخص فقيرًا، قد تصل إليه سلة من المواد الغذائية. وهي أشكال ضرورية من التكافل، لكنها ترتبط بالحاجة الطارئة ومن هنا جاءت فكرة توجيه هذا التكافل إلى حاجة أخرى لا تقل أهمية، هي مساعدة الشباب على بناء أسرهم وبدء حياتهم الزوجية.

ولم يكن بقاعي بعيدًا عن حكايات الشباب الذين طال انتظارهم للزواج. فبين العرسان من يقول إنه مخطوب منذ أربع سنوات، وآخر امتدت خطوبته إلى خمس سنوات، فيما كانت بعض عائلات الخطيبات تربط إتمام الزواج بإقامة حفلة وشراء فستان العرس وتحمل تكاليف المناسبة.

وقد تبدو هذه التفاصيل بسيطة في لحظة الفرح، لكنها في الظروف الاقتصادية الراهنة تتحول إلى أعباء مالية وديون وهموم تؤجل موعد الزفاف عامًا بعد آخر. لذلك، لم يكن اختيار العرسان عشوائيًا، إذ جرى فرز الأسماء وفق مجموعة من المعايير، ولم يكن الوضع المادي العامل الوحيد في الاختيار، بل جرى النظر إلى مدة الخطوبة، لتكون الأولوية لمن طال انتظاره، ومن بقي زواجه معلّقًا لسنوات بسبب الظروف المالية.

ويؤكد بقاعي أن العرس ليس فستانًا وصالة وموسيقى وطاولة طعام فحسب؛ إنه قبل ذلك وبعده لحظة فرح تدخل بيتًا طال انتظاره، وتجمع الأهل والأصدقاء حول بداية جديدة. ولذلك، فإن منح شاب وفتاة فرصة للاحتفال بزواجهما لا يعني مساعدة عروسين فقط، بل يعني أيضًا منح عائلتيهما وأصدقائهما مساحة للفرح، وإدخال مناسبة مضيئة إلى حياة أثقلتها الأزمات والخسارات.

ومن هذه الزاوية، تتجاوز المبادرة حدود العرسان الذين سيحتفلون بزواجهم في الثالث من أيلول، لتطرح سؤالًا أوسع حول قدرة المجتمع على تحويل التكافل من استجابة فردية لحاجة طارئة إلى ثقافة اجتماعية مستمرة، يكون فيها لكل شخص دور، ولكل قدرة على المساعدة أثر.

وهنا تكمن الرسالة الأبعد للعرس الجماعي. فالمبادرة، بحسب بقاعي، تهدف إلى تشجيع هذا النوع من المبادرات على الانتشار داخل المجتمع، في ظل تراجع القدرة على المساعدة والاستنكاف الذي فرضته الظروف الاقتصادية. والفكرة، في جوهرها، أن يتحمل كل شخص مسؤوليته في المكان الذي يستطيع أن يساعد فيه، وأن تتحول المبادرة الفردية إلى عدوى إيجابية تنتقل من شخص إلى آخر.

فإذا نجحت التجربة، قد يأتي شخص آخر ويقول" أريد أن أفعل الشيء نفسه"، ثم يأتي ثالث ورابع، لتتكرر المبادرة مرة بعد أخرى، ويتحول العرس من مناسبة تجمع ستين عريسًا وعروسًا إلى نموذج صغير لفكرة أكبر: أن يبقى للفرح مكان، حتى في أكثر الأزمنة قسوة، وأن يستطيع المجتمع، حين يتكافل، أن يفتح أمام أبنائه أبوابًا أغلقتها الأزمات.