المؤشرات التي بدأت تظهر الى العلن، في شأن الموقف الحكومي من مشروع قانون الانتظام المالي واعادة الودائع، خطيرة ومُقلقة. وقد بدأنا نسمع النغمة السابقة التي تدّعي فيها الحكومة انها قامت بواجباتها، وأعدّت مشروع قانون، واذا كان هناك من ضرورة للتعديلات، في استطاعة المجلس النيابي القيام بذلك. هذا الكلام غير المسؤول، يعني ببساطة ان الحكومة تعترف بفشلها في صياغة قانون قابل للحياة، ولا تريد مواجهة الناس بحقائق مرّة معروفة، وتحاول ان تكون المواجهة، اذا كان لا بدّ منها، بين الناس والنواب.
هنا نسأل اللجنة الوزارية المكلفة دراسة إدخال تعديلات على مشروع القانون، هل تريد أن تعلن فشلها، وأن ترمي كرة النار في مكان آخر؟
هذه اللجنة لا يُفترض انها مجرد هيئة تنسيق أو قناة عبور للمشروع إلى مجلس النواب، بل هي الجهة المُكلّفة بأن تضع الصيغة النهائية القابلة للتطبيق والعادلة اقتصادياً واجتماعياً، بما ينسجم مع الدستور ويحفظ حقوق اللبنانيين.
من هذا المنطلق، لا يمكن للجنة أن تتذرّع بأن إدخال التعديلات الجوهرية هو من اختصاص لجنة المال والموازنة أو المجلس النيابي لاحقاً. صحيح أن السلطة التشريعية تملك حق التعديل والإقرار، إلا أن مسؤولية السلطة التنفيذية تتمثل في إعداد مشروع متكامل ومتوازن قبل إحالته إلى البرلمان. أما إرسال مشروع ناقص أو يتضمّن ثغرات أساسية، بذريعة أن المجلس سيتولى معالجتها لاحقاً، فهو يشكل عملياً تخلياً عن المسؤولية السياسية والتنفيذية، ويؤدّي إلى إضاعة الوقت وإطالة أمد الأزمة.
الأخطر من ذلك أن إحالة خطط أو مشاريع قوانين غير قابلة للتطبيق تضع المؤسسات أمام خيارات مستحيلة، وتُفقد المواطنين والمجتمع الدولي الثقة بقدرة الدولة على إدارة عملية الإصلاح.
لم تعد هناك ذرائع للتعنّت والادعاء انهم لا يعرفون. انهم يعرفون حتماً. وقد تمّ إطلاع المسؤولين على ما سيجري في حال تطبيق القانون كما هو وارد من الحكومة. 550 الف مودع لن يحصلوا على حقوقهم، و29 مليار دولار من الودائع لن تكون قابلة للتسديد. وهذه المعادلة واضحة ومُثبتة. وفي الأساس، من المستغرب أن تعتمد الحكومة خطة لإعادة 100 الف دولار نقداً لكل مودع، بكلفة تقارب الـ23 مليار دولار، لا يتوفّر منها اكثر من 12 مليار دولار. من اين سيتم سدّ الفجوة؟ وكيف تُطلق الحكومة توصيف مشروع قانون على ورقة أوهام من هذا النوع. هذه الاشكالية تحتاج الى معالجة: إما ان يتمّ اتخاذ قرار واضح باجراءات من ضمنها حسم ما دُفع في التعميمين 158 و166 (حوالي 7 مليار دولار) حتى اليوم من أصل المبلغ الذي سيتم ردّه للمودع، وإما ان تتحمّل الدولة مسؤوليتها في دفع جزء من دينها لمصرفها المركزي. وكل ما عدا ذلك، هرطقة وضحك على الناس.
كل المطلوب اليوم، خطة توازن بين متطلبات التعافي المالي وحقوق المودعين، بما يضمن استعادة الثقة وإرساء أسس اقتصاد أكثر عدالة واستدامة.