أمجد اسكندر

الأكراد قرأوا التحول… فهل يقرأه لبنان؟

4 دقائق للقراءة

لا ينتظر الأكراد التاريخ كي ينصفهم، بل يحاولون انتزاع ما يستطيعون منه كلما فتحت التحولات الكبرى نافذة جديدة. شعب موزع بين إيران وتركيا والعراق وسوريا، لكنه تعلم، بعد أكثر من قرن من الخيبات والوعود المكسورة، أن انهيار نظام أو تبدل ميزان قوى ليس مجرد حدث يُراقب، بل فرصة يجب اقتناصها قبل أن تُغلق.

في العراق، أتاح سقوط صدام حسين قيام إقليم فدرالي واسع الصلاحيات. وفي سوريا، انتهت المفاوضات مع السلطة الجديدة إلى إدارة محلية ضمن الدولة، لكنها كرّست مكسبًا بالغ الأهمية هو الاعتراف باللغة والثقافة الكرديتين. وقد يبدو هذا تفصيلا اليوم، لكنه ليس كذلك. فاللغة والثقافة من أكثر عناصر الهوية رسوخًا وقدرة على صناعة السياسة في المستقبل.

أما المحطة التالية فقد تكون إيران، حيث يعيش نحو 12 مليون كردي من دون حكم ذاتي أو خصوصية سياسية وإدارية توازي ما حققه أكراد العراق أو سوريا. وفي تركيا، حيث يوجد أكبر تجمع كردي في المنطقة ويصل عدده إلى نحو 20 مليونًا، يتسع الحضور السياسي المحلي، فيما قد يفتح مسار إلقاء حزب العمال الكردستاني السلاح بابًا أمام مرحلة مختلفة.

العبرة واضحة: الأكراد لا ينتظرون اكتمال الظروف. يتقدمون حين تسمح اللحظة، ويتراجعون حين تضيق، لكنهم يراكمون. وقد لا تكون غايتهم النهائية دولة كردية واحدة تجمعهم عبر حدود أربع دول، ففكرة "الدولة - الأمة" ليست قدرًا محتومًا في التاريخ الحديث. وقد تكون اللامركزية، والحقوق الثقافية، والحكم المحلي، والتمثيل السياسي، مكاسب أكثر واقعية واستدامة من إعادة رسم الخرائط.

والأكراد يعرفون أيضًا ثمن الارتهان للخارج. فقد حوّلتهم القوى الكبرى طويلا إلى "فَرْق عملة" في صفقات النفوذ. عام 1946 قامت "جمهورية مهاباد" في شمال غرب إيران تحت المظلة السوفياتية، ثم انهارت خلال أشهر بعدما تخلى عنها ستالين حين تبدلت الحسابات الدولية. ومنذ ذلك الحين، تعلم الأكراد أن الحليف الدولي مفيد، لكنه ليس بديلا من القرار الذاتي.

بعد 11 أيلول، أصبحوا حلفاء للولايات المتحدة في أكثر من ساحة. وحيث يملكون هامش القرار، حافظوا أيضًا على قنوات جيدة مع إسرائيل. قد تتبدل التحالفات وتتغير واشنطن، لكنهم يحاولون دائمًا الاحتفاظ بأكثر من ورقة، وعدم رهن مصيرهم بحليف واحد.

وهنا بالضبط تبدأ مأساة لبنان.

بعد اجتياح 1982، ترددت الدولة اللبنانية. وبدل أن تحسم خياراتها، بقيت تدور في الحلقة نفسها حتى فقدت القدرة على المبادرة. ألغت "اتفاقية جلاء القوات الإسرائيلية" وراهنت على أن واشنطن ودمشق وموسكو ستمنحها ما عجزت هي عن حسمه، فانتهت إلى خسارة أوراقها واحدة تلو الأخرى، وتحولت من طرف يسعى إلى تقرير مصيره إلى ساحة تتقرر فوقها مصالح الآخرين.

اليوم يتكرر الامتحان نفسه مع سلاح الميليشيا.

الدولة اللبنانية لا تحتاج إلى انتظار إسرائيل كي تنزع هذا السلاح عنها، ولا إلى انتظار الولايات المتحدة كي تفرض ما يفترض أن يكون أصلا قرارًا سياديًا لبنانيًا. المطلوب أن تحذو الدولة حذو الأكراد في أمر واحد على الأقل: أن تقرأ اللحظة، وأن تبادر قبل أن تُفرض عليها النتائج.

العبرة الكردية واضحة: من لا يقتنص لحظته، يقرر الآخرون عنه. وعلى الدولة اللبنانية أن تحسم مسألة سلاح الميليشيا بإرادتها، قبل أن تحسمها إسرائيل وأميركا وفق مصالحهما. فالمشكلة ليست فقط في بقاء السلاح خارج الدولة، بل في أن يصبح مصير هذا السلاح، ومعه مصير لبنان، ورقة في يد الخارج.

والمفارقة اللافتة أن الأكراد يناضلون منذ عقود من أجل تثبيت هويتهم وحقوقهم وهم موزعون بين أربع دول وحدود ومصالح متشابكة، فيما مهمة اللبنانيين، من حيث المبدأ، أبسط بكثير: دولتهم موجودة، وحدودها معروفة، وساحة معركتهم السيادية محصورة ضمن الـ10452 كيلومترًا مربعًا.