الدكتور سايد حرقص

متى ترسم الدولة اللبنانية حدود سيادتها؟

5 دقائق للقراءة

بعد خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، وتصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، الذي أعلن أن بيروت والضاحية الجنوبية «خط أحمر» بالنسبة إلى إيران، أصبح السؤال اللبناني الحقيقي أعمق وأكثر إلحاحاً:

متى تبدأ الدولة اللبنانية بترسيم حدود سيادتها مع الدولة الخمينية الكبرى؟ ولماذا تبدو السلطة اللبنانية مترددة في دعم رجال الدولة الذين يدافعون عن مفهوم السيادة، وفي مقدمهم وزير الخارجية يوسف رجي، بدلاً من تحويلهم إلى رأس حربة في الدفاع عن القرار اللبناني؟

اللافت في كلام المسؤول الإيراني أنه لم يتحدث عن منطقة حدودية متنازع عليها، بل عن بيروت والضاحية الجنوبية، أي عن قلب العاصمة اللبنانية ومحيطها، وكأنه يتحدث عن مساحة تقع ضمن مجال الأمن القومي الإيراني.

وعندما يقول مسؤول إيراني إن أمن لبنان جزء من أمن «غرب آسيا»، وإن طهران تراقب التطورات في بيروت والضاحية بمنتهى الجدية، فإن السؤال يصبح مشروعاً ومباشراً: منذ متى أصبحت عاصمة لبنان «خطاً أحمر» بالنسبة إلى دولة أخرى؟

فلنفترض، مثلاً، أن تركيا أعلنت أن طرابلس «خط أحمر» بالنسبة إليها، أو أن دولة أخرى أعلنت أن منطقة لبنانية معينة تقع ضمن أمنها القومي.

هل كانت السلطة اللبنانية ستتعامل مع ذلك باعتباره تدخلاً في السيادة اللبنانية؟ فلماذا يصبح الأمر مختلفاً عندما تأتي الرسالة من طهران؟

والأخطر أن خطاب نعيم قاسم يضيف بُعداً آخر إلى المسألة. فهو لا يكتفي برفض خيارات الدولة اللبنانية، بل يتحدث من موقع من يملك حق تقييم قراراتها وإعطائها التوجيهات. فعندما يخاطب الحكومة ويدعوها إلى البحث عن وسيط آخر، أو يصف المسار الذي اختارته بأنه لا يليق بلبنان، فإنه يتجاوز حدود المعارضة السياسية إلى التعامل مع الدولة من منطق فوقي، وكأنه مرشد للدولة يصحح مساراتها وخياراتها وفق ما يراه مناسباً.

وهنا تنقلب المعادلة: بدلاً من أن يكون حزب الله جزءاً من الحياة السياسية، تصبح الدولة اللبنانية وكأنها تحت وصاية الحزب.

في أي دولة طبيعية، تستطيع الأحزاب أن تعارض الحكومة وتنتقدها وتسعى إلى تغيير سياساتها عبر المؤسسات الدستورية. لكن لا يمكن لأي حزب أن يتحول إلى مرجعية فوق الدولة، يحدد لها كيف تتفاوض، ومع من تتفاوض، وما الذي تقبله وما الذي ترفضه.

إذا كانت السلطة اللبنانية قد اختارت أن تدير المسار التفاوضي بصفتها الممثّل الشرعي للدولة والشعب اللبناني، فهل من المنطقي، في دولة حرة، أن يكون لها وصيّ على القرار التفاوضي؟ وهل من المنطقي أن تقوم جهة داخلية أو خارجية بتحديد حدود التفاوض؟ ومن يقرر ما تقبله الدولة وما ترفضه؟ ومن يملك حق رسم الخطوط الحمراء؟

السيادة لا تُقاس بالخطب والقرارات الورقية، بل بقدرة الدولة على امتلاك قرارها الوطني وحمايته وتنفيذه، من دون وصاية أو إملاء أو ارتهان خارجي.

السيادة لا تُبنى بحماية مؤسسات ضعيفة تتقن التزلف واختراع الحلول الترقيعية خدمةً لمصالح ضيقة، ولا بتهميش القيادات الحرة والجريئة التي تمتلك وضوح الرؤية وشجاعة الموقف. السيادة تُبنى بدولة ترفض الارتهان والتزلف والمواقف الرمادية والمخارج الترقيعية، وتدعم الكفاءات والقيادات القادرة على اتخاذ القرارات الوطنية بوضوح وشجاعة، والدفاع عنها من دون خوف أو حسابات ضيقة.

فالدولة التي تخشى أصحاب المواقف الجريئة، وتحمي أصحاب الولاءات والمصالح والمواقف الرمادية، لا تستعيد سيادتها؛ بل تعيد إنتاج ضعفها ومآسيها ومصائبها وهزائمها وتخلفها.

المفارقة أن لبنان يقف اليوم بين مسارين متوازيين: مسار تفاوضي مع إسرائيل تديره السلطة اللبنانية الشرعية، ومسار حرب متشعبة وخطيرة تجري بين كيانين دينيين متطرفين، هما إسرائيل وإيران. ولهذا، فإن مواقف حزب الله، الذي يتصرف وكأنه سلطة وصاية إيرانية على الدولة اللبنانية، وتصريحات القيادة الإيرانية التي تتحدث عن بيروت وكأنها جزء من الدولة الخمينية الكبرى، تضع السلطة اللبنانية أمام تحديات وجودية تتطلب تحديد الحدود السيادية بين الدولة اللبنانية والدولة الخمينية الكبرى.

فالخط الأحمر الذي يحمي لبنان يجب أن ترسمه الدولة اللبنانية، لا إيران.

والحدود التي يجب أن تُحترم ليست فقط الحدود الجغرافية بين لبنان وإسرائيل وسوريا، بل هناك حدود أخرى لا تقل أهمية، هي الحد الفاصل بين دولة تملك قرارها، وساحة يملك الآخرون قرارها.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم هو: متى تبدأ الدولة اللبنانية بترسيم حدود سيادتها مع الدولة الخمينية؟ ومتى تضع، في الداخل، حداً واضحاً بين المعارضة السياسية المشروعة وبين الوصاية على القرار الوطني؟ لأن استعادة السيادة تعني أن تصبح بيروت وحدها صاحبة القرار؛ أن لا تستطيع إسرائيل أن تفرض على لبنان ما تريد، وأن لا تستطيع إيران أن ترسم له خطوطه الحمراء، وأن لا يستطيع أي حزب أن يتصرف وكأنه وصي على الدولة أو صاحب حق في إعطائها التعليمات.

السيادة تحتاج إلى رجالٍ تكون أفعالهم مرآةً لأقوالهم؛ رجالٍ واضحين في رؤيتهم، ثابتين في قرارهم، صريحين في مواقفهم، يؤمنون بلبنان حرٍّ، سيّدٍ ومستقل، ويمتلكون من الإرادة ما يكفي لتنفيذ قراراتهم، لا الاكتفاء بإعلان النوايا ثم العجز عن ترجمتها إلى أفعال.