طوني عطية

لبنان وإسرائيل: أوجه شبه رغم العداء الطويل

4 دقائق للقراءة
الحدود اللبنانية- الإسرائيلية (صورة أرشيفية)

في النصف الأول من القرن العشرين، شهدت المنطقة تحوّلين جيوسياسيين بارزين تمثّلا في قيام دولتَي لبنان وإسرائيل. كسر البلدان نمطًا سياسيًا وثقافيًا ساد الشرق طويلا، إذ لم تألف المنطقة قيام كيانات ذات خصوصية واضحة، بعدما اعتادت جمع جماعات متباينة ومختلفة حتى النخاع ضمن إمبراطوريات وسلطنات.

مع انهيار الحكم العثماني، سلكت معظم دول المنطقة مسارات انتهت بها إلى أنظمة عسكرية أو توتاليتارية. في المقابل، خرج لبنان وإسرائيل، بصرف النظر عن ظروف نشأة كلّ منهما والاختلاف الجذري بين تجربتَيهما عن النمط الذي ساد محيطهما.

قام لبنان على التعدّد الطائفي، وعلى محاولة تحويل التنوّع الديني والاجتماعي إلى صيغة سياسية قابلة للعيش على الرغم مما تعرّضت له من انتكاسات واهتزازات متكرّرة. أما إسرائيل، فقامت على أساس قومي يهودي جعل الهوية الدينية في صلب تعريف الدولة الناشئة.

ثمّ التقى البلدان في اعتماد نظام سياسي ديمقراطي، إذ لم يحكم العسكر بيروت أو تل أبيب، ولم يعرفا الانقلابات التي طبعت تاريخ القرن المنصرم، كما لم يقوما على نموذج الدولة الأمنية، ولم تكن سجون الرأي وسيلة لتثبيت الحكم كما كانت الحال في عدد من أنظمة المنطقة. وفي موازاة ذلك، استثمر البلدان في التعليم والثقافة والجامعات والمستشفيات.

لكن مسار الدولتين افترق في مسألتي الاستقرار والاندماج. أخفق لبنان في إرساء استقراره الداخلي، وسقط في أزمات وحروب وصراعات هزّت بنيته السياسية والاجتماعية، لكنه ظلّ، رغم ذلك، جزءًا من النسيج الإقليمي. في المقابل، نجحت إسرائيل في الحفاظ على تماسك دولتها ومؤسساتها ولم تعرف النزاعات الداخلية، لكنها بقيت، لعقود طويلة، عاجزة عن الاندماج الطبيعي في محيطها الإقليمي.

لذلك، إذا وجد السلام طريقه ضمن ترتيبات تحفظ حقوق لبنان وتؤدي إلى انسحاب إسرائيل من أراضيه، يمكن أن يشكّل مدخلا لاستعادة الدولة دورها الحصري في ممارسة السيادة وتحديد خياراتها الاستراتيجية.

وبالنسبة إلى إسرائيل، لا يتحقق أمنها المستدام بالقوة العسكرية وحدها، ولا بإبعاد التهديدات عن حدودها، إذ تقتضي مصلحتها العليا وجود دولة لبنانية قوية، لأنّ لبنان الضعيف، سيبقى ساحة مفتوحة لتهديد جيرانه. 

وإذا قُدّر للبنان وإسرائيل أن ينتقلا من حالة العداء إلى السلام، فقد يكون لهذا السلام ما يميّزه عن تجارب أخرى في المنطقة، وهو استناده إلى قاعدة شعبية وازنة في كلا المجتمعين، اللبناني والإسرائيلي، تؤيّده وتؤمن به. عندها، لن يكون نتيجة اتفاق بين نظامين يُفرض على المجتمع، بل سلامًا ينمو من القاعدة إلى القمة.

لذا، إن المواقف الشجاعة التي يطلقها رئيس الجمهورية جوزاف عون، بأن "لبنان وشعبه تعبا من الحروب، وأن هدف المفاوضات هو إنهاء حالة العداء، وأن الحل يكمن في الدبلوماسية لا في الحرب"، تُشكّل انقلابًا أبيض على ماضٍ طويل حكمته الأيديولوجيات، من القومية العربية والناصرية إلى البعثية والخمينية، ودفعت لبنان مرارًا إلى ساحات صراع تجاوزت مصالحه وحدوده.

وكرّر عون، في أكثر من مناسبة، أنه يريد إنهاء حالة العداء مع إسرائيل، مع التشديد على حقوق لبنان واستعادة أرضه وسيادته. وقال ذلك حوالى عشر مرات، أبرزها في البيت الأبيض إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي مقابلة مع شبكة "CNN"، وأمام وفود غربية، وصولا إلى موقفه الأخير أمس في أثينا. وهذا، في حد ذاته، تحوّل لافت في تاريخ الخطاب الرئاسي اللبناني. فباستثناء ظاهرة بشير الجميّل، لم يذهب أي رئيس لبناني، إلى هذا الحد من الوضوح في تحديد مصلحة لبنان، وفي إعلان أن المطلوب ليس إدارة الصراع مع إسرائيل، بل الوصول إلى إنهاء حالة العداء معها.