شهادة من بلاد البترون في الإمام المغيّب موسى الصدر، الذي زارها منذ أكثر من خمسة عقود وترك لدى أهلها أطيب الأثر.
لا يمكن لمجلدات أن تحصي أخبار الإمام الصدر، ولكن هناك رواية أرى أنها من الأخبار المهمة، وتقول: يوم كان الإمام لا يزال في صور، أخبره أحدهم أن أبناء مدينته الشيعة يقاطعون متجرًا يبيع البوظة لأن صاحبه مسيحي. فما كان منه إلا أن توجّه، بعد صلاة الجمعة، سيرًا على قدميه إلى متجر المسيحي، وطلب صحن بوظة وجلس يتناوله أمام المتجر ليراه الجميع. ومنذ ذلك الحين، توقفت المقاطعة في صور.
بالعودة إلى منطقة البترون، هناك لقاء جرى مع الإمام موسى الصدر فيها، وهو غير معروف لدى شريحة واسعة من المواطنين.
ما قصة هذا اللقاء؟
مطلع سبعينيات القرن المنصرم، تلقى العديد من كهنة ومخاتير ورؤساء بلديات ووجهاء منطقة البترون، دعوة من الشيخ محمد حماده، للمشاركة في حفل غداء يقيمه في قريته داعل الواقعة، في وسط منطقة البترون، على شرف شخصية كان العديد من المدعوين يسمعون باسمها للمرة الأولى.
الإمام السيد موسى الصدر سيزور القرى الشيعية في منطقة البترون (داعل ودير بلا ورشكيدا) ويرغب في لقاء وجهاء المنطقة.
أعلم المدعوون مرجعياتهم السياسية، فشجّعتهم على المشاركة، وفي الموعد المحدّد أبكر معظمهم في التوجّه إلى داعل للمشاركة في استقبال الضيف، بحسب ما تقتضيه الأصول.
أخبر المرحوم الأستاذ أنيس النخل أن ثلاثة أمور استوقفته لدى وصول الإمام موسى الصدر إلى داعل، وهي:
لدى وصول الإمام، وقبل أن يسلّم على مستقبليه، دخل إلى حسينية البلدة مع أبناء الطائفة الشيعية لدقائق معدودة، حتمًا لأداء فريضة الصلاة. خرج بعدها مسلّمًا على الجميع، مكثرًا من عبارات الاعتذار لأنه جعلهم ينتظرون.
تواضعه: وصل في سيارة مرسيدس عادية جدًا يركبها أي مواطن، وكان يجلس إلى جانب السائق. وما إن شاهد مستقبليه حتى رفع يده محييًا، ولحظة توقّف السيارة، تقدّم الشيخ حمادة وآخرون محاولين أن يفتحوا له الباب، لكنه كان أسرع منهم، ففتحه بنفسه ونزل من السيارة.
تعلّق أبناء الطائفة الشيعية بشخصه: لقد اندفعوا جميعهم باتجاهه، يحاولون أن يلمسوه ويحيّوه، ونساؤهم يزغردن له، وأكثرهم لم يعرفوه من قبل، فيما كان يردّ التحية بهدوء ويوزّع الابتسامات على الحضور.
بعد السلام، جلس الجميع من حوله، وراح يشكر الضيوف الذين تكبّدوا مشقة المجيء إلى داعل رغم انشغالاتهم، وكان معظم كلامه يدور حول التعايش الإسلامي - المسيحي، ووجوب المحافظة على هذا الوطن الذي هو نعمة، ورفع الحرمان والفقر عن الناس. سحر الجميع بنظراته وابتساماته وكلامه الهادئ الرصين.
كان جو اللقاء مريحًا وعفويًا، ومن الطرائف أن أحد المشاركين قال للإمام: نحن وبعلبك نشترك في هموم الحرمان.
ردّ الإمام ضاحكًا: فقط الحرمان؟
أتاه الجواب من أحد وجهاء تنورين: كلنا نزرع الحشيشة في الجرود ونقوّص على بعضنا في المراعي في الجرد، ولكن أبناء منطقة بعلبك أشطر، فهم يشترون منا الحشيشة.
من ثم انتقل الضيوف لتناول الغداء، ولفت نظر المشاركين أن الطاولات وُضعت منفصلة عن بعضها. ولاحقًا علموا أنه خلال التحضير للغداء، أبلغ الشيخ حمادة الإمام الصدر أن أبناء منطقة البترون المسيحيين غالبًا ما يشربون الكحول خلال تناولهم الطعام، خاصة نهار الأحد، فما كان من الإمام إلا أن طلب توزيع الطاولات بشكل منفصل، واقتصار عدم وضع الكحول على الطاولة التي يجلس إليها وعلى طاولات من لا يرغبون في شرب الكحول. ومما قاله: "المهم راحة المدعوين".
عند المغادرة وقف الإمام الصدر والشيخ حماده لتوديع المغادرين، ولدى توديع رئيس بلدية دوما قال الشيخ حماده للإمام: "داعل بحجم حي من أحياء دوما".
ربت الامام الصدر على كتف رئيس البلدية مبتسمًا وقال له: "انتوا وأولاد داعل أهل ديروا بالكم على بعض".
انتهى اللقاء، وغادر الصدر منطقة البترون تاركًا رصيدًا رائعًا لدى المشاركين في مأدبة الغداء، الذين بقوا جميعهم يتحدثون عنه لوقت غير قصير.
أخبر الأستاذ ضاهر مرعي ريشا، وكان الإمام الصدر توقف في منزله في إجدبرا في طريق عودته، أنه التقى، بعد فترة، صديقًا شيعيًا كان حاضرًا الاجتماع الذي عقده الإمام الصدر لوجهاء القرى الشيعية البترونية، وقال له إن الإمام حثّهم على وجوب إبقاء علاقاتهم مفتوحة وطيبة مع جميع قيادات منطقة البترون، وأنهم في بلاد البترون منذ أعوام طويلة، ويتشاركون تاريخها مع باقي مكوّناتها، وقدرهم أن يبقوا فيها. فمن المهم أن يتفاعلوا مع أبناء منطقتهم، لأن قدرهم العيش معًا، وإذا واجهتهم أي مشاكل، فعليهم بداية الاتصال بقيادات منطقة البترون لمعالجتها، قبل الاتصال به.
كم نحن اليوم بحاجة إلى الإمام السيد موسى الصدر وأمثاله، ودعاؤنا أن يُفكّ أسره فيعود إلى أهله ووطنه: إما حيًا يُرزق فيشارك في قيادة مسيرة هذا الوطن، أو شهيدًا يستريح في تراب لبنان، وأن يُفكّ أسر جميع الأسرى والمعتقلين والمفقودين اللبنانيين في السجون الخارجية. ولنا في منطقة البترون أسير في المعتقلات الإسرائيلية، و14 أسيرًا كانوا في معتقلات النظام السوري السابق، ومفقود ضاعت أخباره قبل سنوات في شمال سوريا.
لن نكلّ عن المطالبة بهم لإعادتهم إلى وطنهم، ولو حفنة تراب.