يوم الإثنين الماضي، حشد مفتي الجمهورية رؤساء الحكومات والنواب وقضاة الشرع ومشايخ في قاعة مسجد "محمد الأمين" في ذكرى "المولد النبوي". أراد المفتي عبد اللطيف دريان أن يكون هذا المشهد الجامع بمثابة "بيعة" سياسية ودينية تجب قرار مجلس شورى الدولة المرتقب في الطعن المقدم بقانونية قرار "المجلس الشرعي الإسلامي" تمديد سنّ المفتي، في ظل علمه بحجم "الخطايا" القانونية المرتكبة، وترجيح كفة صدور قرار بإبطاله خلال الأشهر المقبلة.
ورغم أن الوسطين السياسي والعلمائي كانا في جو خطاب عالي السقف تجاه شورى الدولة، إلا أن كلمته جاءت روتينية وكلاسيكية، ما خلا موقفين: الخطاب النقدي تجاه الدار وسيدها، إلى جانب جملة واحدة اختزل بها موقفه من القرار المرتقب بأن "المجلس سيد نفسه"، ومعناه أن "المجلس الشرعي الإسلامي" لا يخضع لسلطة الدولة.
العبارة ليست حديثة، حيث سبق أن استخدمت في المواقف والتسريبات الإعلامية لـ"دار الفتوى"، كما من بعض القانونيين من صناع التمديد، وفيهم من يتولى مركزًا مرموقًا في الدولة. غير أنها تصدر للمرة الأولى بشكل مباشر عن المفتي ليغدو كمن يطلق النار على مشروعيته فيما يبحث عن "بيعة" لتجديدها وتمتينها.
فدريان نفسه كان عضوًا في "المجلس الإسلامي الشرعي" الذي امتدت ولايته 9 سنوات ونصف، منذ أواخر 2005 حتى 2013، علمًا أن الولاية القانونية هي 4 سنوات بموجب المرسوم الاشتراعي 1955\18. وكان يومها جزءًا أساسيًا من الصراع بين سلفه المفتي محمد رشيد قباني و"تيار المستقبل"، بل إنه شارك في جلسة المجلس الشرعي برئاسة نائب رئيسه، الوزير الأسبق عمر مسقاوي، والتي أعلنت بطلان قرارات قباني، وتضمن بيانها ما حرفيته "وقد أصدر مجلس شورى الدولة في هذا الصدد عدة قرارات تبطل مفاعيل قرارات أصدرها مفتي الجمهورية لأنها مخالفة للأنظمة".
تتساءل أوساط قانونية وعلمائية كيف يحتج دريان بأن "المجلس سيد نفسه" ولا يحق للقضاء الإداري التدخل بقراراته، وهو من شارك في إخضاع سلفه والمجلس الشرعي إلى سلطة ورقابة شورى الدولة. وتعتبر أن هذا التصرف تنطبق عليه قاعدة "ازدواجية المعايير"، حيث يمسي المعيار نفسه شرعيًا حين يخدم مصلحة، ومحرمًا إن كان يصب في مصلحة الخصوم والمعارضين.
والأكثر إحراجًا أن مُسند مشروعية دريان، وهو قرار "دعوة مجلس الانتخاب الإسلامي" لانتخاب مفتي الجمهورية عام 2014 الذي أصدره رئيس الحكومة تمام سلام، ارتكزت فزلكته القانونية على 7 قرارات صادرة عن شورى الدولة أوقفت قرارات وتعيينات للمفتي قباني. ومن بينها القرار رقم 544/2013-2014 "القاضي برد مراجعة مفتي الجمهورية اللبنانية المتعلقة بإبطال تمديد ولاية المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى". وبالتالي فإن القضاء الإداري المراد كف يده لعدم الاختصاص كان جزءًا أصيلا من السند القانوني لانتخاب دريان مفتيًا.
بيد أن التناقضات لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتجاوزها إلى "اللائحة الجوابية" التي أرسلها دريان إلى شورى الدولة لرد الطعن، والتي تقول إن المجلس الدستوري هو صاحب الاختصاص في "مراقبة دستورية القوانين وسائر النصوص التي لها قوة القانون، ومنها النصوص الصادرة عن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى بمقتضى قانون 28\5\1956". فإذا كان "المجلس سيد نفسه" فلماذا تقول اللائحة إنه يخضع لرقابة المجلس الدستوري؟ وإذا كان يخضع لرقابة قضائية فما الذي يجعل رقابة شورى الدولة اعتداء على استقلاليته؟
غير أن المفارقات لا تنتهي. فالمحامي محمد المراد، عضو المجلس الشرعي، وأحد أبرز أعضاء الفريق القانوني لدريان في حياكة تمديد الولاية، والرد على طعن شورى الدولة، كان نفسه رأس حربة في الصراع مع قباني، وتولى أمانة سر جلسة المجلس الشرعي التي اتخذ فيها قرار الطعن أمام شورى الدولة بدعوة المفتي السابق إلى انتخاب أعضاء جدد في المجلس الشرعي.
هذه التناقضات تدرجها الأوساط نفسها ضمن إطار استخفاف المفتي دريان ومن يكتبون له بالنخب السنيّة، واعتبار أن لا أحد يقرأ أو يدقق بما يقوله، انسجامًا مع حكمة شهيرة من التراث الشعبي "نصلي على الحاضر". لذلك، وبينما يخوض الرجل معركة تثبيت شرعيته المطعون بها، فإنه يقدم بنفسه حججًا يمكن استخدامها ضده، ويطلق النار على مشروعيته القانونية.