طهران المأزومة في مرمى غضب ترامب

5 دقائق للقراءة
أميركا تقف بالمرصاد لإيران (سنتكوم)

تدخل المواجهة الأميركية - الإيرانية مرحلة أكثر خطورة، لا لأن الحرب عادت إلى الاشتعال ميدانيًّا فحسب، بل لأن واشنطن تبدو كأنها تجمع، بصورة متزامنة، أدوات الضغط العسكري والاقتصادي والمالي والسياسي لدفع طهران إلى تسوية لا تملك فيها إيران هامشًا واسعًا للمناورة. فالضربات الأميركية الأخيرة على جزيرة لارك، والتهديد العلني الذي أطلقه الرئيس دونالد ترامب بـ "ضرب إيران بقوّة" وبأنّه "سيكون هناك ردّ"، يتزامنان مع تشديد الحصار البحري والعقوبات الثانوية، في محاولة واضحة لتحويل الكلفة الاقتصادية للحرب إلى عنصر ضغط مباشر على القرار الإيراني. ويدرس ترامب وكبار مساعديه توجيه ضربات محدودة في مضيق هرمز لمنع إيران من إعادة بناء قدراتها الرادارية والصاروخية التي تمكّنها من مهاجمة السفن، وفق موقع "أكسيوس".

وربط وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، خلال اجتماع وزراء المال ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين في ولاية نورث كارولاينا، صراحة بين التصعيد العسكري الإيراني وبين الخسائر الاقتصادية التي تتكبّدها الجمهورية الإسلامية، معتبرًا أن طهران تلجأ إلى القوّة لأنها "مصدومة" بحجم الضرر الذي يلحق باقتصادها. والأهمّ أن الإدارة الأميركية لا تتعامل مع العقوبات كإجراء موَقّت، بل كمسار تصاعدي، مع حديث عن حزم جديدة بصورة شبه أسبوعية، تبدأ من المصارف وتتوسّع إلى الجهات والشركات التي تساعد إيران على الالتفاف على القيود الأميركية.

وحملت الضربة على جزيرة لارك رسالة لا تقلّ وضوحًا. فأميركا أفادت بأنها استهدفت منصّتَي إطلاق صواريخ بعد رصد قوّات تابعة لـ "الحرس الثوري" وهي تستعدّ لإطلاق صواريخ محمّلة بألغام بحرية في هرمز. وبذلك، تحاول واشنطن تثبيت معادلة جديدة مفادها أنّها لن تسمح لإيران باستخدام المضيق ورقة ابتزاز مفتوحة، ولن تكتفي بمواجهة التهديدات بعد وقوعها، بل ستضرب البنية والأصول التي تعتبر أنها تُعَدّ لتهديد الملاحة.

لكن الرسالة الأشدّ قسوة جاءت من مكان آخر. فعندما نشر ترامب مقطع فيديو مولّدًا بالذكاء الاصطناعي يوحي بتدمير جزيرة خرج، لم يكن المنشور مجرّد استفزاز إعلامي، خصوصًا أن الجزيرة كانت تتولّى نحو 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية قبل الحرب. وفيما أوضح مسؤول أميركي أن القوات الأميركية لم تضربها، شرح نائب الرئيس جيه دي فانس المغزى السياسي للمنشور بوضوح، مؤكدًا أن ترامب "يوجّه رسالة إلى الإيرانيين". ومضمون الرسالة، وفق خبراء، أن واشنطن تعرف أين تكمن نقطة الاختناق الاقتصادي الكبرى، وأن منشآت الطاقة الإيرانية ليست خارج حساباتها إذا استمرّ التصعيد.

في المقابل، تحاول طهران الردّ من دون إغلاق باب التسوية نهائيًّا. فقد هاجمت قاعدتَين أميركيّتَين في الأردن، لكن محاولتها باءت بالفشل، إذ اعتُرضت الصواريخ بنجاح. كما ادّعت إيران استهداف قاعدة المنهاد في الإمارات، وهو ما نفته أبوظبي، معلنة اعتراض طائرة مسيّرة فوق مياهها الإقليمية. وفي وقت فقدت فيه إيران سيطرتها على المضيق إلى حدّ كبير، لوّحت مجدّدًا باستخدام هرمز ورقة ضغط، متوعّدة بأن الأوضاع ستصبح أكثر صعوبة أمام السفن التي لا تلتزم بالقواعد التي فرضتها. بيد أن هيبة تهديداتها تتآكل مع الوقت.

يكشف الردّ الإيراني عمق مأزق الملالي. ففي الوقت الذي يزعم فيه أركان النظام أن "لا هدف بعيدًا من متناول إيران"، خرج الرئيس مسعود بزشكيان ليقول، على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان، إنّ استمرار الحرب ليس في مصلحة إيران ولا المنطقة، وإن بلاده لا تزال تسعى إلى "اتفاق وتفاهم". إنها بكلّ بساطة ازدواجية مقصودة تتجسّد في إظهار القدرة على الإيذاء من جهة، ومحاولة الاحتفاظ بمخرج تفاوضي من جهة أخرى. فالملالي يدركون أن المواجهة المفتوحة مع أميركا، تحت حصار بحري وعقوبات متصاعدة واستنزاف مستمرّ، قد تكون كلفتها أكبر بكثير من قدرة البلاد على تحمّلها.

ولهذا، تبدو واشنطن مقتنعة بأن الوقت يعمل لمصلحتها. فمفاوضات الوسطاء لم تنتج حتّى الآن تسوية نهائية. لذلك، انتقلت إدارة ترامب من محاولة إنتاج اتفاق عبر الدبلوماسية وحدها إلى فرض بيئة صعبة تجعل رفض الاتفاق أكثر كلفة من قبوله. وهنا نصل إلى ازدياد الضغوط على إيران من الداخل أيضًا. فمع استمرار التوتّر، يترافق التصعيد الخارجي مع تشدّد أمني وقضائي في مواجهة آثار احتجاجات كانون الثاني، إذ ما زالت تصدر أحكام بالإعدام بحق متّهمين بالمشاركة فيها، بينهم نساء، فيما تؤكد منظّمات حقوقية أن عشرات الأشخاص أُعدموا على خلفية تلك الأحداث. وهذا المسار يعكس قلق السلطة من أن تتحوّل الضغوط الاقتصادية والحرب والاستياء الاجتماعي إلى أزمة داخلية أشدّ خطورة تُهدّد بقاء نظام آيات الله.

أمّا إقليميًّا، فتتراجع قدرة طهران على التحرّك بحرّية عبر أذرعها الإرهابية. ففي العراق، حيث طالما شكّلت الفصائل الولائية إحدى أدوات الضغط على المصالح الأميركية، صدر حكم بالسجن 15 عامًا على عنصر في "كتائب حزب الله" أدين بخطف الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون، بالتزامن مع ضغوط أميركية متزايدة على بغداد لحصر السلاح بيد الدولة. ومع بدء الحكومة العراقية تسلّم أسلحة من بعض الفصائل، لا تكتفي واشنطن بمحاصرة إيران داخل حدودها، بل تعمل كذلك على تضييق الخناق حول شبكاتها الإقليمية.

إذًا، الصورة التي تتشكّل هي لحرب إرادات أكثر منها مجرّد تبادل ضربات. تحاول واشنطن أن تقول لطهران إن البديل من التسوية هو استنزاف اقتصادي وعسكري طويل، وإن منشآت الطاقة والمضيق وشبكة الحلفاء كلّها باتت تحت الضغط. أمّا طهران، فتردّ بالقوّة، التي غدت محدودة الفعالية، كي لا تدخل المفاوضات من موقع المنهزم، لكنها تُبقي الباب مواربًا أمام اتفاق تعرف أن الهروب منه يصبح، مع مرور الوقت، أكثر صعوبة. وبين التصعيد والتهديد والحصار، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كانت واشنطن تريد تسوية، بل متى ترى طهران أن كلفة رفض الشروط الأميركية أصبحت أعلى من كلفة القبول بها؟