يسعى بعض الفلاسفة إلى تفسير العالم، بينما يفضّل الفيلسوف الألماني بيتر سلوترديك (Peter Sloterdijk) التساؤل عن كيفية عيشنا فيه. هذا التمييز مهم، لأنه ينقل الفلسفة من التجريدات الكبرى إلى سؤال أكثر واقعية: كيف يصنع الإنسان الظروف التي تجعله قادرًا على مواصلة الحياة؟ تظهر هذه الفكرة بوضوح في أعمال سلوترديك، أحد أبرز المفكرين الألمان في عصرنا.
وُلد في كارلسروه (Karlsruhe) عام 1947، وبرز منذ ثمانينات القرن الماضي بأعمال تتناول السخرية والدين والعولمة والهندسة المعمارية والتكنولوجيا والجسد والإعلام والتحوّلات البشرية. قد تبدو هذه الموضوعات متباعدة، لكنها تلتقي في سؤال أساسي يتعلّق بالطريقة التي يبني بها الإنسان عوالم يستطيع العيش داخلها. من هذا المنظور، يمكن النظر إلى المنزل والعائلة والدين والمدينة واللغة والعادات بوصفها أكثر من مجرد عناصر في حياتنا اليومية. إنها تسهم في تشكيل البيئات التي تمنحنا الإحساس بالاستقرار والحماية والمعنى. وإذا أسقطنا هذه الفكرة على حاضرنا، يمكن أن نضيف إليها الشاشة والعالم الرقمي والمنصات التي أصبحت جزءًا من بيئتنا اليومية.
الإنسان لا يحيا وحيدًا
بلغت شهرة سلوترديك ذروتها عام 1983 مع كتابه "نقد العقل الساخر"، الذي أصبح حدثًا فكريًا بارزًا في ألمانيا. ينطلق الكتاب من ملاحظة لافتة تتعلّق بالإنسان المعاصر الذي لم يعد ساذجًا. فهو يعرف أن الخطاب السياسي قد يخفي مصالح، وأن الإعلانات تسعى إلى التأثير في رغباته، وأن بعض المؤسسات لا تتطابق دائمًا مع القيم التي تعلنها. ومع ذلك، يستمر في المشاركة في النظام الذي ينتقده. يعرف التناقضات، لكنه يتعايش معها. يعرف أن الجميع يؤدي أدوارًا ويدافع عن مصالحه، فلماذا يكون مختلفًا؟
هنا تتحوّل السخرية من وسيلة لكشف التناقض إلى شكل من أشكال الاستسلام. فعندما يصبح كل شيء موضع سخرية، يصبح من الصعب تصديق أي شيء أو الالتزام بأي قيمة. ولذلك، لا يعود السؤال هو كيف نكتشف الحقيقة فقط، بل ماذا نفعل بعد اكتشافها.
قاد هذا التفكير سلوترديك إلى مشروعه الفلسفي الأوسع، ثلاثية "الكرات" (Spheres)، التي صدرت أجزاؤها بين عامي 1998 و2004. ينطلق سلوترديك هنا من فكرة أن الإنسان لا يعيش منفردًا، بل يتشكّل داخل علاقات وفضاءات مشتركة. ويقدّم المولود الجديد المثال الأوضح: فقبل أن يصبح فردًا مستقلا، يعيش في علاقة حميمة مع أمّه، داخل مساحة من الدفء والصوت والتنفس والتبعية والاعتراف. ويمكن فهم هذا التعايش الأولي بوصفه عالمًا أوليًا يتشكّل فيه الإنسان. لذلك، لا يكون العالم، في هذا التصوّر، مجرد مساحة هندسية، بل بيئة معيشية وعاطفية ورمزية. ومن هنا تظهر لدى سلوترديك فكرة المناعة، التي لا تقتصر على معناها البيولوجي، بل تمتد إلى البنى التي تساعد الإنسان على مواجهة العالم والشعور بالحماية والانتماء.
يمكن للعائلة والمنزل واللغة والدين والمجتمع أن تؤدي هذه الوظائف بطرق مختلفة. فالإنسان لا يسكن الأماكن فقط، بل يخلق بيئات تمنحه القدرة على الاستمرار.
من الفقاعة إلى العالم
في كتاب "فقاعات"، الجزء الأول من ثلاثية "الكرات"، يهتم بيتر سلوترديك بالمساحات الحميمة والعلاقات التي تتشكّل داخلها. وتصبح علاقة الأم بطفلها، والزوجان، والصداقة، وأشكال التعايش المختلفة، موضوعات فلسفية تكشف الطريقة التي يبني بها الإنسان عالمه.
ثم يتّسع المنظور في "الأفلاك" (Globes) ليشمل العوالم الجماعية. فالأديان والأساطير وعلم الكونيات والعمارة والطقوس والصور لا تؤدي دور الزخارف الثقافية فحسب، بل تسهم في تشكيل الطريقة التي يفهم بها البشر وجودهم ومكانهم في العالم. فالمسيحية في العصور الوسطى، مثلا، لم تكن مجرد عقيدة، بل كانت تقدّم تصورًا واسعًا عن الله والإنسان والخلق والخلاص والموت والأبدية. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الحضارة باعتبارها أيضًا بناءً لعالم مشترك.
في المجلّد الثالث، "الرغوة" (Foams)، ينتقل سلوترديك إلى عالم أكثر تفتتًا. لم يعد الإنسان يعيش داخل كون رمزي واحد، بل داخل عوالم متعددة تتجاور وتتقاطع. فالعائلة والمهنة والدين والعمل والأمة والشبكات الاجتماعية والمجتمع الرقمي، كلّها يمكن أن تشكّل مجالات مختلفة من وجودنا. وتصبح صورة الرغوة هنا شديدة التعبير: فقاعات متجاورة تتلامس من دون أن تندمج، وتشكّل معًا واقعًا جماعيًا، مع احتفاظ كل واحدة منها بحدودها.
ومن خلال هذه الصورة، يمكن أن نفهم إحدى مفارقات العصر الحديث: نحن متصلون كما لم نكن من قبل، ومنفصلون كما لم نكن من قبل. نستطيع التواصل مع شخص يبعد عنا آلاف الكيلومترات، ومع ذلك قد نعجز عن مشاركة جارنا فهمًا مشتركًا للواقع.
وإذا طبّقنا هذا التصوّر على حاضرنا، تبدو العولمة وكأنها وسّعت الحيّز البشري إلى حدّ هائل، لكنها لم تضمن بالضرورة وجود عالم مشترك. وهنا تتيح لنا أفكار سلوترديك طرح سؤال مهم حول ما يحدث عندما تتراجع البنى القديمة التي منحت الإنسان شعورًا بالأمان قبل أن تترسّخ البنى الجديدة. لا يعني ذلك أن سلوترديك يدعو إلى الحنين إلى الماضي أو يرى الحداثة شرًا خالصًا. الأهم أنه يحاول فهم الطرق التي تتغيّر بها البيئات التي يعيش الإنسان داخلها.
يتدرّب ليصبح نفسه
في كتاب "عليك أن تغيّر حياتك"، الصادر عام 2009، يطوّر سلوترديك فكرة أخرى تتعلّق بالممارسة. فالإنسان يصبح ما يمارسه بصورة متكرّرة: الموسيقي يتشكّل بالممارسة، والرياضي بالتدريب، والراهب بالصلاة، والفنان بالعمل، والعالم بالانضباط الفكري. يُسمّي سلوترديك هذه القدرة على تشكيل الإنسان لذاته من خلال الممارسة "الأنثروبوتقنية" (Anthropotechnics). فالإنسان ليس طبيعة مكتملة، بل يشارك في تشكيل نفسه من خلال عاداته وتدريباته وممارساته. وهنا يحضر نيتشه بقوة، خصوصًا في اهتمامه بالتحوّل الذاتي والانضباط وتجاوز الذات. لكن سلوترديك يضع هذه المسألة أمام حاضرنا في صورة سؤال شديد المعاصرة: ما الذي يدرّبنا اليوم، ومن الذي يصنع عاداتنا؟
لطالما لعبت الأسرة والمدرسة والدين والتقاليد هذا الدور، لكن وسائل الإعلام والإعلانات والمنصات الرقمية والخوارزميات أصبحت تشارك أيضًا في تنظيم انتباهنا والتأثير في رغباتنا وتشكيل بعض عاداتنا اليومية. وهذا لا يعني أن سلوترديك كان يتنبأ بشبكات التواصل الاجتماعي، فمفاهيمه أوسع من ذلك بكثير. لكن يمكن استعارتها لفهم عالم أصبحنا فيه متصلين ومحميّين ومكشوفين ومشتتين في الوقت نفسه.
وهنا يظهر السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا كان الإنسان يصنع نفسه من خلال ممارساته، فماذا يحدث عندما تصبح بعض ممارساته اليومية مصمَّمة جزئيًا بواسطة خوارزميات لا يراها؟ هل ما زلنا نمارس أنفسنا بحريّة، أم أننا نتدرّب، من دون أن نشعر، على أن نكون ما تريده المنصات منا؟
ربما تكمن مشكلة عالمنا في أننا لم نعد نعرف دائمًا أي العوالم تمنحنا الأمان وأيّها يحاصرنا. وهذه إحدى أكثر أفكار سلوترديك إثارة. نحن لا نعيش في العالم كما هو فقط، بل داخل العوالم التي نبنيها ونمارسها ونتشاركها. لذلك، قد لا يكون السؤال كيف نهرب منها، بل كيف نبني عوالم يمكن العيش فيها من دون أن تتحوّل إلى سجون.

