ما هو الجسد؟ أَحفنة عظام كلّلها غطاء سرمدي أزلي، أم هيكل الله على الأرض؟
أسئلة حار العلماء في أجوبتها، أما الكُتّاب والشعراء فكتبوا وأبدعوا.
فشتّان ما بين جسد حافظ على نقائه، وآخر حفرت فيه صعوبات الحياة خرائط وجروحًا لم تلتئم مع مرور السنين.
هل تلك الأجساد التي جار عليها الزمن غدت طيّ النسيان، أم أن نضالها أدّى إلى انبعاث جوهرها؟
أنهرب من الوهلة الأولى من حضرة الألم عندما نراه، أم نفهم أن تلك الأجساد الباكية هي قمّة الألوهية، إذ انبعثت من رمادها إلى الجنان العلوية كطائر الفينيق؟
لعلّنا أخطأنا حين ظننّا أن الجسد المتألّم جسد مهزوم، وأن الندبة نقصان، وأن الانكسار نهاية. فبعض الأجساد لا تُبعث إلا بعدما تموت فيها صورة قديمة، ولا تعرف حقيقتها إلا حين تسقط عنها أقنعة القوة والكمال. هناك، في أعمق نقطة من الوجع، يولد جسد آخر؛ لا من لحم جديد، بل من روح أدركت أخيرًا أنها أكبر من جراحها.
فالألم، حين يسمو، يتحوّل من سجن للجسد إلى نافذة تطلّ منها الروح على سرّ وجودها. وكل جرح عميق قد يغدو شقًّا يتسرّب منه نور الذات الإلهية، حتى يصبح الجسد المتعب محرابًا، وتغدو ندوبه نقوشًا مقدّسة تحكي رحلة الإنسان من التراب إلى النور.
ولعلّ الانبعاث الحقيقي ليس هروب الروح من الجسد، بل عودتها إليه بعدما تصالحت معه؛ أن تحتضن هشاشته، وتقبّل مواضع سقوطه، وتدرك أن الله لم يكن بعيدًا عنها في لحظات الألم، بل كان مختبئًا في أكثر شقوقها وجعًا.
حينها لا يعود الجسد قبرًا للروح، بل يصبح جسرها نحو العلو؛ ولا يعود الألم لعنة، بل مخاضًا لولادة الذات من ذاتها.
وهكذا، كطائر الفينيق، لا ينبعث الإنسان رغم احتراقه، بل من احتراقه؛ يحمل رماده شاهدًا، ويرتقي بجراحه نحو تلك النقطة السرمدية حيث يلتقي الإنساني بالإلهي، وحيث يفهم أن الجسد الذي كُسر ألف مرة قد يكون أكثر الأجساد قدرةً على احتضان النور.