القاهرة وبكين... شراكة تعبر من السويس إلى أمن المنطقة

4 دقائق للقراءة

حملت زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة رسالة تتجاوز حدود العلاقات الثنائية مع مصر، لتلامس جهود الصين لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط ورؤيتها لمستقبل أمن المنطقة. فمن قصر الاتحادية، دعا شي دول الشرق الأوسط إلى "تولّي زمام أمورها" ورفض التدخّل الخارجي، والعمل على بلورة هيكل أمني جديد، مؤكدًا استعداد بكين للتعاون معها في حماية أمن الممرّات الملاحية الدولية والقضاء على بؤر الصراع. وفي موازاة ذلك، شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على سياسة "الاتزان الاستراتيجي" التي تعتمدها القاهرة في علاقاتها الخارجية، بما يتيح لها تنويع شراكاتها الدولية والحفاظ على استقلالية قرارها بعيدًا من الاستقطابات المتصاعدة.

وفي أول زيارة يقوم بها شي إلى مصر منذ 10 سنوات، وأولى جولاتِه في الشرق الأوسط منذ أربع سنوات، عكس اللقاء بين الرئيسين رغبة واضحة في نقل الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أُطلقت عام 2014 إلى مستوى أوسع سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وتكنولوجيًا. واتفق الجانبان على استمرار التواصل الرفيع المستوى، وتفعيل الحوار الاستراتيجي بين وزيري الخارجية، وتعزيز التنسيق في القضايا الدولية، إلى جانب توسيع التعاون بما يخدم مصالح الدول النامية وبلدان الجنوب العالمي. كما ثمّنت بكين ما سمّته نهج "الاتزان الاستراتيجي" المصري ودوره في دعم التعددية الدولية.

وحضر الوضع الإقليمي بقوّة في المحادثات. فدعا الرئيسان إلى تغليب الحلول الدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق شامل ينهي الحرب الدائرة بين أميركا وإيران، ورحّبا بالجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى خفض التوتر وتعزيز الحوار والتفاهمات السياسية التي تراعي شواغل مختلف الأطراف وتدعم أمن الخليج والشرق الأوسط. وفي هذا السياق، طرح شي تصورًا صينيًا يقوم على تعزيز قدرة دول المنطقة على إدارة شؤونها الأمنية بنفسها، بالتوازي مع دور صيني أكثر نشاطًا في حماية خطوط الملاحة والتعاون التنموي.

ولم يقتصر التقارب على الملفات الإقليمية. فقد أكد الجانب الصيني تفهّمه للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة إلى مصر، وحقّها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، فيما دعا الرئيسان دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي ومبدأ عدم التسبّب في ضرر. في المقابل، جدّدت القاهرة التزامها بمبدأ "الصين الواحدة"، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية الصينية، مؤكدة أن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية. كما اتفق البلدان على زيادة التعاون الأمني وتعزيز جهود مكافحة الإرهاب.

أما اقتصاديًا، فشكّلت الزيارة منصّة لإعطاء دفع إضافي للعلاقات التي شهدت توسّعًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة. وشهد السيسي وشي توقيع مذكرة تفاهم تتعلّق بأولويات التعاون بين "رؤية مصر 2030" ومبادرة "الحزام والطريق"، واتفاقية للتعاون الاقتصادي والفني، ومذكرة لتعزيز التعاون في سلاسل الصناعة والإمداد، فضلًا عن اتفاقات في تكنولوجيا المعلومات والتعاون بين المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ووزارة التجارة الصينية، إلى جانب أكثر من 20 وثيقة أخرى في المجالات التكنولوجية والمالية، وفي الاقتصاد الرقمي.

وأولى البيان المشترك أهمّية خاصة للتكنولوجيا المتقدّمة، إذ اتفق البلدان على توسيع التعاون في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والاقتصاد القائم على البيانات وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بُعد، إضافة إلى سلاسل إمداد المعادن الحرجة والزراعة وصناعة السيارات، مع التركيز على نقل الخبرات وبناء القدرات البشرية بما يدعم التحوّل الرقمي والتنمية المستدامة في مصر.

وفي السياق نفسه، أُعلن إطلاق المرحلة الثالثة من المنطقة الصناعية المصرية - الصينية في منطقة قناة السويس، التي تستضيف نحو 200 شركة باستثمارات تقارب أربعة مليارات دولار، في خطوة تعزّز الحضور الاقتصادي الصيني في أحد أهمّ الممرّات التجارية في العالم. وتكتسب هذه الشراكة أهمّية إضافية في ظلّ تجاوز الواردات المصرية من الصين 10 مليارات دولار خلال النصف الأول من العام، بالتوازي مع تنامي الاستثمارات الصينية في الموانئ والهيدروجين الأخضر والصناعات والأقمار الاصطناعية.

وبذلك، بدت زيارة شي إلى القاهرة أبعد من أن تكون محطة بروتوكولية أو جولة لتعزيز التجارة، إذ عكست تقاطعًا بين سعي مصر إلى تنويع شراكاتها الدولية والحفاظ على هامش استقلال استراتيجي، ورغبة الصين في توسيع حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في الشرق الأوسط. وبين الدعوة إلى نظام أمني إقليمي أكثر استقلالًا عن التدخلات الخارجية، وحزمة الاتفاقات الاقتصادية والتكنولوجية الواسعة، رسم اللقاء ملامح مرحلة جديدة في الشراكة بين القاهرة وبكين تتجاوز التعاون الثنائي إلى تنسيق أوسع في قضايا المنطقة والنظام الدولي.