بعد تصاعد التهديدات وشدّ الحبال في مضيق هرمز، دخلت المواجهة بين واشنطن وطهران طورًا أشدّ خطورة، مع انتقال الوعيد المتبادل إلى ضربات مباشرة ورسائل نارية مفتوحة على مزيد من التصعيد. فإزاء مواصلة إيران استهداف السفن العابرة للمضيق، نفّذت القوات الأميركية أمس ضربات قاسية على أهداف تابعة لـ "الحرس الثوري" داخل إيران، واضعةً تهديدات الرئيس دونالد ترامب بالردّ موضع التنفيذ، بعدما كان قد توعّد طهران على خلفية الهجمات البحرية والهجوم الذي استهدف الأردن أخيرًا.
وفيما كانت أصوات الضربات تُسمع في الخليج، رفع ترامب سقف المواجهة إلى مستوى غير مسبوق، معلنًا استهداف مواقع إيرانية قرب هرمز، ومتوعّدًا بأن أي ردّ من طهران سيستجلب ضربة أشدّ بكثير. وقال: "إذا ردّت دولة إيران الفاشلة على هذا الهجوم المبرّر جدًا، فستُضرب مجدّدًا بمستوى أشدّ وأعلى بكثير، لكنه لن يكون أكبر هجوم على الإطلاق، فهذا الهجوم لا يزال في الانتظار، وعندما ينتهي، لن يبقى من الجمهورية الإسلامية الإيرانية سوى القليل جدًا".
لكن ترامب لم يكتفِ بهذا التهديد، بل مضى أبعد في التصعيد، واصفًا الإيرانيين بأنهم "مجانين وأغبياء"، ومعتبرًا أن "أي اتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه"، قبل أن يحذّر من أن إيران قد "تُمحى بالكامل" إذا اتسعت رقعة النزاع. وفي المقابل، سارعت طهران إلى الردّ بإطلاق ما وصفته بـ "عملية حاسمة" ضدّ واشنطن، إذ أفادت وكالة "تسنيم" بأن صواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية استهدفت قواعد ومصالح أميركية في المنطقة، في تطوّر قد يؤشّر، إن تفاقم، إلى أن المواجهة عادت إلى الخروج من دائرة الرسائل المحسوبة ودخلت مرحلة أكثر انفتاحًا على الانفجار.
وامتدّت الضربات، بحسب وسائل إعلام إيرانية، على طول الساحل الجنوبي للبلاد، وطالت أهدافًا في بندر عباس وجاسك وتشابهار وكنارك وميناب وسيريك، فضلًا عن جزيرة قشم ومطار جيرفت في جنوب شرق إيران. وجاءت الضربات بعد ساعات من حادث بحري جديد في المضيق، إذ أفادت شركتا "ماريسكس" لإدارة المخاطر البحرية و"كبلر" لتتبّع حركة السفن بأن مقذوفات مجهولة أصابت ناقلتين عملاقتين تحملان نفطًا سعوديًا، بفارق دقائق معدودة، أثناء عبورهما الممرّ العُماني في هرمز في طريقهما إلى الخارج، في وقت متأخر من مساء الاثنين. تجدر الإشارة إلى أن إيران لم تتمكّن من تصدير أي شحنة نفط إلى الصين عبر هرمز منذ إعادة فرض الحصار في 14 تموز.
وفي المواقف الإيرانية، كان الرئيس مسعود بزشكيان قد تعهّد بأنه إذا عادت واشنطن إلى مذكرة التفاهم، فإن إيران "ستتّخذ فورًا إجراءً مماثلًا"، محذّرًا من أن عودة أميركا إلى "سياسة الضغط والتهديدات" من شأنها عرقلة الجهود الدبلوماسية الهادفة إلى إنهاء الحرب. أما رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، فرفع سقف التهديد، متوعّدًا بردّ عسكري على أيّ تشديد للحصار الأميركي، وقال: "إذا كان العدو عازمًا على منعنا من تصدير النفط من المنطقة الخليجية، فلن يتمكّن أحد من تصدير النفط".
وبالتوازي مع التصعيد العسكري، تتفاقم الضغوط الاقتصادية داخل إيران. وفي هذا السياق، حضّ قاليباف الإيرانيين على خفض استهلاك الوقود لمواجهة تداعيات الحصار الأميركي، فيما أقرّ محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي بأن حجم العقوبات والحصار المفروضين على بلاده "واسع للغاية". لكنه زعم أن "إيران لديها ما يكفي من العملات الأجنبية".
دبلوماسيًا، تلقّت طهران دعمًا واضحًا من موسكو. فقد أكد الرئيس فلاديمير بوتين، خلال لقائه بزشكيان على هامش قمة "منظمة شنغهاي للتعاون" في قرغيزستان، "تضامن الشعب الروسي مع الشعب الإيراني في الدفاع عن مصالحه"، مشدّدًا على أن روسيا وإيران "ستحافظان على علاقاتهما الاقتصادية والتجارية رغم الظروف العسكرية والسياسية الراهنة". بدوره، شكر بزشكيان بوتين على "موقف روسيا بشأن الحرب والعقوبات"، معتبرًا أن موسكو وطهران قادرتان على "مقاومة الأحادية الأميركية". كما أجرى بزشكيان "محادثات قصيرة" مع نظيره الصيني شي جينبينغ، وفقًا لوكالة "إرنا". واختتمت قمة "منظمة شنغهاي للتعاون" أعمالها بـ "إعلان بيشكك"، الذي أكدت فيه الدول الأعضاء دعمها لسيادة إيران ووحدة أراضيها، داعية إلى تسوية النزاع بالوسائل الدبلوماسية.
وفي المقابل، رسم وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت صورة مختلفة لمستقبل هرمز، متوقّعًا أن يتحوّل خلال عامين إلى "مجرّد مسطّح مائي عديم القيمة"، مع انتقال نقل النفط إلى خطوط أنابيب برّية. وفي شأن التنسيق مع بكين حول إيران، قال بيسنت: "لدينا نقاط اتفاق مع الصينيين بشأن إيران أكثر ممّا لدينا من نقاط خلاف. الصينيون يتفقون على أن إيران يجب ألّا تحصل على سلاح نووي، كما يتفقون على ضرورة الحفاظ على حرّية الملاحة في هرمز".
ووجّه بيسنت رسالة مباشرة إلى "الحرس الثوري"، قال فيها: "نعلم مكان حساباتكم في جزر العذراء البريطانية لدى هذه الشركات الائتمانية. ونعلم أيضًا بالعقارات التي تملكونها حول العالم بقيمة 100 مليون دولار، وسنجمّدها". وذهب أبعد من ذلك في توصيف وضع النظام الإيراني، مشبّهًا إياه بثعبان سام قُطع رأسه لكنه لا يزال يحرّك ذيله من دون أن يدرك أنه ميت، مضيفًا: "لقد انتهى أمر النظام الإيراني، وسيدرك ذلك قريبًا".
وأشار بيسنت إلى أن واشنطن مرشحة لإعلان عقوبات جديدة هذا الأسبوع تستهدف أحد البنوك، في إطار حملتها الاقتصادية على النظام الإيراني، على أن تتبعها، على الأرجح، عقوبات ثانوية جديدة بصورة أسبوعية، مع تركيز أولي على القطاع المصرفي. كما كشف أن بلاده تدرس استهداف شركات تأجير الطائرات وغيرها من الكيانات التي تتعامل مع "الحرس الثوري".
نوويًا، زادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية منسوب القلق، إذ شدّدت، في تقرير سرّي اطّلعت عليه وكالة "فرانس برس" أمس، على أن عدم القدرة على الوصول إلى مواقع نووية رئيسية في إيران "يجب معالجته بأقصى درجات الإلحاح". وحذّرت من أن "افتقار الوكالة إلى المعلومات بشأن هذه المواد النووية، وعدم قدرتها على الوصول إلى المنشآت للتحقّق منها، يشكّل مصدر قلق من ناحية الانتشار النووي".
وفي خضمّ هذا المشهد المتوتر، التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان السلطان العُماني هيثم بن طارق في جدة، حيث بحثا تطورات الأوضاع في المنطقة والجهود المبذولة للحفاظ على أمنها واستقرارها، في وقت دعت فيه قطر واشنطن وطهران إلى العودة إلى المفاوضات، محذّرة من أن استمرار إغلاق هرمز سيقود إلى مزيد من التصعيد.