بينما تتجه أنظار اللبنانيين إلى الجنوب، وتنصبّ جهود الدولة على تثبيت وقف إطلاق النار، ووضع حدّ لمسلسل الحروب الأليمة، واستكمال مسار حصر السلاح بالمؤسسات الشرعية، فتحت التحقيقات الأمنية ملفًا من نوع آخر، لا يقل خطورة، مع كشف شبكة تضم عناصر من نظام بشار الأسد المخلوع، دخل بعض أفرادها إلى لبنان وخضعوا، بحسب التحقيقات الأولية، لتدريبات عسكرية في معسكرات تابعة لـ"حزب الله" في البقاع، تمهيدًا لإعادتهم إلى سوريا لتنفيذ عمليات أمنية وعسكرية في منطقة الساحل، واستخدامهم في لبنان عند الحاجة.
ووفق مصادر "نداء الوطن"، تتولى شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، بإشراف النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، التوسع في التحقيق مع أفراد الشبكة الموقوفين، وعددهم خمسة حتى الآن ثلاثة سوريين ولبنانيان، فيما تستمر عمليات البحث عن أشخاص آخرين يُشتبه في ارتباطهم بالمجموعة.
ومن أبرز الموقوفين العقيد السوري السابق مناف علي صافي، الذي اتخذ من بيع القهوة قرب مفرق بلدة تلبيرة في عكار غطاءً لتحركاته. أما أحد الموقوفين اللبنانيين، فهو، وفق المصادر، عنصر في جهاز أمن الدولة، عمل ضمن فريق حماية رئيس تيار سياسي بارز، وتولى، بعد توقيف شقيقه، نقل كمية من الأسلحة وإخفاءها بعدما كانت مخبأة في بلدة تلبيرة، المحاذية للحدود السورية.
وضبطت الأجهزة الأمنية كمية من الأسلحة والذخائر، بينها رشاشات وبنادق قنص وقنابل يدوية ومتفجرات. ولا تبدو نوعية المضبوطات تفصيلا ثانويًا في التحقيق وفق المطلعين، إذ فتحت الباب أمام فرضيات تتجاوز التدريب العسكري، وصولا إلى احتمال التحضير لإحداث بلبلة أمنية داخل لبنان أو تنفيذ اغتيالات، وهي فرضيات لا تزال قيد التحقيق في انتظار انتهاء التحقيقات.
من الحدود إلى الضاحية... ثم البقاع
تكشف التحقيقات، وفق المصادر، أن المجموعة الموقوفة ليست سوى جزء من شبكة أوسع تضم أكثر من خمسين شخصًا مرتبطين بمجموعات ناشطة داخل سوريا، ولا سيما في منطقة الساحل. واعتمدت الشبكة، بحسب المعطيات الأولية، أسلوبًا يصعب رصده من خلال إدخال العناصر من سوريا عبر الحدود الشمالية على دفعات صغيرة، لا يتجاوز عدد الواحدة منها في بعض الحالات خمسة أو ستة أشخاص. ومن عكار، كان هؤلاء ينتقلون إلى الضاحية الجنوبية لبيروت لتلقي التعليمات، قبل نقلهم إلى منطقة البقاع وإخضاعهم لدورات تدريب عسكري يشرف عليها مقاتلون وكوادر من "حزب الله"، بقيادة ما يُطلق عليه "الحاج علاء".
ولم تكن وجهة سلاح خلية "الأسد – حزب الله" مساندة "الحزب" في التصدي لإسرائيل، بعد أن أوضحت التحقيقات الأولية، استعداد عناصر الخلية لمواجهة احتمال تقدم القوات السورية باتجاه البقاع. في حين برز تخوّف من احتمال إعداد الخلية، مجموعات لتنفيذ عمليات أمنية وعسكرية ضد قوات السلطة السورية في الساحل السوري ولبنان، مع كشف الموقوفين، نيتهم إعادة إدخال العناصر إلى سوريا بعد انتهاء التدريب.
خيوط تصل إلى موسكو
ولا تتوقف القضية عند الحدود اللبنانية - السورية. فخيوط التحقيق تقود، وفق المصادر، إلى موسكو، حيث يقيم اللواء محمد جابر، القائد السابق لـ"صقور الصحراء" والمقرّب من نظام الأسد المخلوع، والذي تشير المعلومات إلى الاشتباه في إدارته الشبكة من الخارج.
وكان جابر ظهر بعد سقوط النظام في مقابلة تلفزيونية تناول فيها دوره في المجموعات التي قاتلت القوات التابعة للسلطة السورية الجديدة خلال مواجهات الساحل في آذار 2025.
الأمر الذي يزيد من مخاطر مخططات "حزب الله"، مع وجود قيادة محتملة للشبكة خارج لبنان، إلى جانب عناصر تتحرك داخل سوريا ومسارات لتهريب الأشخاص والسلاح عبر الحدود اللبنانية، ما يرفع القضية من مستوى مجموعة محلية محدودة إلى احتمال وجود بنية أكثر تنظيمًا، تتوزع أدوارها بين التخطيط والتجنيد والنقل والتدريب والتمويل والتنفيذ.
ملف ضباط الأسد يعود إلى الواجهة!
على الضفة السورية، تضع القضية الحكومة اللبنانية أمام استحقاق جدّي. فمنذ سقوط بشار الأسد في كانون الأول 2024، دخل إلى لبنان عدد من ضباط النظام السابق ومسؤوليه.
وفي كانون الثاني الماضي، طلبت دمشق من بيروت معالجة ملف أكثر من مئتي ضابط ومسؤول سابق، في ظل مخاوف من استخدام الأراضي اللبنانية قاعدة لتنظيم تحركات مسلحة ضد السلطة الجديدة. وقبل أسابيع، سلّم لبنان إلى سوريا اللواء السابق عادل عيسى، في أول عملية من نوعها، بالتوازي مع تطور التنسيق الأمني والقضائي بين البلدين.
كما توسعت قنوات التواصل بين وزارتي الداخلية والأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية، ولا سيما في مكافحة الإرهاب وتهريب السلاح والأشخاص وتبادل المعلومات.
ومن هنا، فإن استخدام الأراضي اللبنانية مأوى أو مركز تدريب أو قاعدة خلفية لضباط وعناصر يتحركون ضد السلطة السورية الجديدة لا يمثل مجرد خرق أمني داخلي، بل يهدد أيضاً المسار الجديد الذي تحاول بيروت ودمشق بناءه على قاعدة العلاقة بين دولتين مستقلتين، بعيداً من معادلات الوصاية والتدخل التي حكمت العلاقة لعقود.
شبكة كُشفت... فماذا عن غيرها؟
تفكيك هذه الشبكة لا يقفل الملف، بل يفتحه على مسائل أكبر. والأخطر هو السؤال عما إذا كانت الشبكة المكتشفة الوحيدة من نوعها، أم أن هناك خلايا "نائمة" أخرى تتدرب في معسكرات "حزب الله" لم تصل إليها التحقيقات بعد.
فلبنان الذي يحاول منع توسّع الأعمال العسكرية في الجنوب لا يمكن أن يتماهى مجددًا مع مغامرات "حزب الله" التدميريّة، ويسمح بتعكير علاقته مع سوريا. ما يضع الحكومة أمام مسؤولية مباشرة تحتّم الشروع في تنفيذ قرارها بحصر السلاح، وتفكيك أي بنية أمنية أو عسكرية "ميليشيوية" تعمل خارج الدولة، ومنع "حزب الله" أو أي جهة أخرى من استخدام الأراضي اللبنانية لتنفيذ أجندات تهدد أمن واستقرار لبنان.