طارق أبو زينب

سلاح "حماس" و"الجهاد" آخر أوراق "الحزب" في المخيمات

4 دقائق للقراءة
بقاء ترسانة هذه الفصائل يعني أن السيادة ستظل منقوصة

لم يعد سلاح الفصائل الفلسطينية في لبنان تفصيلا أمنيًا محصورًا خلف أسوار المخيمات، بل بات جزءًا من المواجهة المفتوحة حول هوية الدولة ومستقبل قرارها السيادي. فبينما قطع لبنان شوطًا عمليًا في تسلّم سلاح حركة فتح وفصائل "منظمة التحرير الفلسطينية"، بقيت ترسانة "حماس" و"الجهاد الإسلامي" خارج هذا المسار، وسط معلومات تربط مصيرها بحسابات "حزب الله" ومحور إقليمي يسعى إلى الاحتفاظ بأوراق مسلحة داخل الساحة اللبنانية.

بدأ التحول عقب القمة اللبنانية- الفلسطينية التي جمعت الرئيس جوزاف عون والرئيس محمود عباس في 21 أيار 2025، وأرست قاعدة احترام سيادة لبنان وحصرية السلاح بيد الدولة. وفي 21 آب من العام نفسه، انطلقت عملية تسليم سلاح فتح وفصائل "منظمة التحرير" إلى الجيش اللبناني على مراحل، في خطوة عكست قرارًا فلسطينيًا رسميًا بالتعامل مع المؤسسات اللبنانية بوصفها المرجعية الوحيدة المخولة إدارة الأمن فوق أراضيها .

وتقول مصادر لبنانية لـ"نداء الوطن" إن الممثل الخاص للرئيس الفلسطيني، عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" ومفوّض العلاقات الخارجية ياسر عباس، اضطلع بدور أساسي في متابعة التسليم، الذي شمل، وفق المصادر، كميات من الأسلحة والذخائر، بينها أسلحة متوسطة، فيما اقتصر الجزء المتبقي لدى عناصر الحركة بمعظمه على سلاح فردي مرتبط بمهمات أمنية داخل المخيمات. وواكب عباس الملف بتحرك سياسي عزز التواصل الفلسطيني- اللبناني، ولا سيما مع المكونات المسيحية، بالتوازي مع لقاءات تناولت القضايا الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية. وركّز هذا المسار على معادلة واضحة: التمسك بحقّ العودة ورفض التوطين واحترام السيادة اللبنانية مرتكزات متكاملة، والحقوق الفلسطينية تُصان بالحوار والقانون لا بالسلاح.

غير أن هذا المسار يتوقف عند حدود "حماس" و"الجهاد". فالحركتان لم تنخرطا في عملية التسليم، فيما تفيد معلومات فلسطينية بأن معالجة سلاحهما لا تزال مرتبطة بموقف "حزب الله" من مصير ترسانته، ما أبقى الجزء الأكثر تعقيدًا من الملف خارج سلطة الدولة حتى الآن .

وتزداد دلالة استمرار هذا السلاح بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في نهاية تموز 2026، توصل "مجلس السلام" إلى اتفاق يقضي بنزع سلاح "حماس" والجماعات المسلحة الأخرى في غزة بالكامل وعلى مراحل، ضمن ترتيبات تشمل انتقال الإدارة والأمن إلى جهة فلسطينية تكنوقراطية. فإذا كانت ترسانة الحركة في غزة، مركز الصراع وميدان مواجهتها الأساسي، قد أصبحت موضوعًا لاتفاق على تفكيكها، فما المبرر السياسي أو الأمني لاستمرارها داخل لبنان؟

ويقول مصدر فلسطيني مستقل لـ"نداء الوطن" إن العقدة الأساسية أمام إقفال ملف السلاح الفلسطيني تتمثل في ترسانة "حماس" و"الجهاد" وحلفائهما. ووفق معطياته، تتعامل إيران و"حزب الله" معها باعتبارها ورقة مرتبطة بمستقبل سلاح "الحزب"، تتيح إبقاء جبهات موازية قابلة للتوظيف السياسي أو الأمني عند الحاجة. ويضيف أن مشاركة عناصر من الحركتين في القتال على جبهة جنوب لبنان، بالتوازي مع عمليات "حزب الله" خلال الحرب الإسرائيلية، أظهرت مستوى التنسيق الميداني بينها. وعندما تُطرح مطالبة حماس بالتسليم، يأتي الجواب من معنيين بالملف، بحسب المصدر، بأن القرار النهائي في عهدة "الحزب"، ما ينقل مركز القرار من المخيمات إلى قوة سياسية وعسكرية تعمل خارج المؤسسات اللبنانية.

وهنا تتجاوز القضية خلافًا فلسطينيًا داخليًا حول توقيت التسليم وآلياته. فمنظمة التحرير اختارت الاحتكام إلى الدولة، بينما تحتفظ فصائل حليفة للمحور الإيراني بسلاح تشير المعلومات إلى ارتباط قراره بحسابات إقليمية. والتقدم في تسليم سلاح المنظمة، مقابل بقاء ترسانة هذه الفصائل، يعني أن السيادة ستظل منقوصة، وأن الاستثناء المسلح سيبقى قادرًا على إعادة إنتاج نفسه تحت أسماء مختلفة.

المعادلة لم تعد تحتمل الغموض أو التسويات المجتزأة. فالحقوق الفلسطينية، مهما بلغت عدالتها، لا تصلح غطاءً لسلاح غير شرعي، ولا يجوز أن تتحول المخيمات إلى احتياط عسكري لأي محور. وما بدأ بتسليم سلاح "فتح" ينبغي أن يستكمل بقاعدة سيادية تشمل جميع الفصائل فوق الأراضي اللبنانية، من دون أي استثناء: لا سلاح فلسطينيًا أو لبنانيًا فوق سلطة الدولة، ولا قرار حرب وسلم خارج مؤسساتها. فإقفال ملف المخيمات لا يكتمل بتفكيك جزء من الترسانة وترك أخطرها، بل بإنهاء آخر المساحات التي يستطيع "حزب الله" استخدامها لحماية سلاحه وإدامة نفوذه. عندها فقط ينتقل لبنان من إدارة السلاح غير الشرعي إلى إنهائه، ويستعيد دولته بجيش واحد وقرار سيادي واحد.