غيّب الموت قبل أيام رئيس أركان الجيش اللبناني (1991-1997)، اللواء الركن رياض تقي الدين (1938/7/1 - 2026/8/29). وتكريمًا لذكراه، تنشر "نداء الوطن" فصلا من مذكّراته، "حفر على الوجدان وبصمة الوجود" (512 صفحة)، الصادرة عن "دار سائر المشرق"، بعد أن كانت قد نشرت فصلا آخر من الكتاب في العدد رقم 1479 بتاريخ 11-01-2025. هذه المذكّرات، التي كانت مخصصة في الأساس لعائلة كاتبها، تكشف ما هو أبعد من مجموعة كبيرة من الأسرار التي اطّلع عليها وعايشها عن كثب، بعدما شغل مواقع قيادية عديدة. إنها مذكّرات شفّافة ومسؤولة تحمل إجابات مباشرة، على وجه الإجمال، وبين السطور لمامًا، عن أسئلة بقيت ألغازًا طوال العقود الماضية.
وفي ما يأتي مقتطفات من الفصل السادس من الكتاب بعنوان: "كمال جنبلاط وبهيج تقي الدين والتباين الخفي".
حاولت "المخابرات الروسية" سرقة طائرة "ميراج" لبنانية، وجنّدت لذلك بعض اللبنانيين، ومنهم المقدّم الطيار نزيه حماده. كشفت "المخابرات اللبنانية" العملية، وقامت بمداهمة مركز الاجتماع السري بين "المخابرات الروسية" والعملاء اللبنانيين. أدى الأمر إلى إصابة مسؤول روسي بجراح متوسطة، ورائد لبناني بجروح خطرة، وتوقيف الضالعين في العملية. أحرج هذا التورّط والفشل السوفياتي موسكو، فشنّت على الحكومة الشهابية هجومًا إعلاميًا قاسيًا، وصادف ذلك الوقت موعد انتخاب رئيس الجمهورية!
أراد كمال جنبلاط أن يقف في صف الرئيس سليمان فرنجية، عدوّ الشهابية حينها، وكان ذلك تسجيل لفتة صداقة لروسيا. أما بهيج تقي الدين ورفاقه الشهابيون في كتلة جنبلاط، فكانوا يميلون إلى انتخاب الشهابي الياس سركيس. تصعّد الخلاف، فرأى كمال جنبلاط، البارع في المناورة، أن يضع أعضاء اللائحة تحت ضغط جماهير "الحزب الاشتراكي"، وهذا يفيد قراره! دعا كمال جنبلاط "الحزب الاشتراكي" إلى اجتماع جماهيري في المتن، وأوعز إلى الحزبيين بمناقشة النواب في قراراتهم. بدت الحماسة على الشباب عندما بدأ كمال جنبلاط افتتاح الجلسة، فبادروا بالهتاف. عرض كمال جنبلاط الأسباب التي يراها موجبة لانتخاب الرئيس فرنجية، وواكبت شرحه صيحات تأييد الحضور الحزبي. وجاء دور النواب للإدلاء بآرائهم، فبدأ الكلام في جو من التشويش المقصود. كان بهيج تقي الدين يوجّه كلامه إلى كمال جنبلاط كمتكلّم أول، فقاطعه الحزبي شفيق أبو الحسن قائلا: "لما يقرّر رئيس الحزب على الجميع التقيّد بقراره!". عندها غضب بهيج تقي الدين قائلا: "أنا أخاطب معلّمك ولا أخاطبك، فعليك أن تصمت!". توتر الجو وانفرط عقد الاجتماع، فاضطر كمال جنبلاط إلى ترك حرية الانتخاب لكتلته. ويقال إنه ركّز على صوت النائب أنور الخطيب، وكان الفيصل. تكررت الروايات المختلفة، ولا يهمنا ذلك، ولكن المهم أن الرئيس فرنجية كان الرابح.
لم يطل الأمر كثيرًا حتى وُوجه كمال جنبلاط بصحة رؤية بهيج. كان العتاب بينهما بالإشارة والتلميح. وفي وقت حميم يجوز فيه الإفصاح عن المكنونات، قال كمال جنبلاط: "يا شيخ بهيج المأزق صعب ولم يجد أنور الخطيب ملاءمة الموت إلا في هذه الظروف!". قالها بنكتة وبسمة تعتريها المرارة. فأجابه بهيج: "ما زال بدّو يموت مش يا ريتو مات قبل ستة أشهر؟"، في إشارة إلى قبول أنور الخطيب برأي جنبلاط وانتخاب الرئيس فرنجية، وقد قيل في حينه إن صوته هو الذي رجّح الكفة. توقف العتاب عند هذا الحدّ، والتفت الرجلان، كلّ منهما إلى الآخر، بنظرة ذات مغزى، دون كلام. ولم يُعرف ما إذا كان كمال جنبلاط يوافق على هذا التسليم بالخطأ، أو أن سكوته جاء تجاوزًا لإشارة مزعجة.
عرفت تفاصيل كلّ هذا، وبقيت، في مطلعي، معجبًا بكمال بك وطموحاته الحالمة. غفرت له كلّ هزيمة أو خسارة، إذا كانت الغاية النهائية إصلاحية نبيلة، وقلت مع الشاعر:
لا تلم كفّي إذا السيف نبا
صحّ منّي العزم والدهر أبى
كان بهيج تقي الدين ابن صيغة 1943، ودستوريًا أصيلا... أما كمال جنبلاط، فكان كتلويًا يميل إلى آراء إميل إدّه الرافضة لاستقلال لبنان، إلا إذا ارتبط بفرنسا بمعاهدة دفاعية. لكن بعد انتصار الدستوريين، دفعه حسّه الشبابي إلى رؤية حسنات الاستقلال، فالتحق به. تبنّى عدالة الاشتراكية المتنوّرة بصوغ نظام أهم ما فيه، في نظري، هو:
* إنّ الحزب وجهة نظر.
* إذا اختلف فكرك وحزبك، خذ بفكرك.
* الموقف السياسي ابن ظروفه الموضوعية.
* للإنسان قدر حاجته، وعليه قدر طاقته.
* الإيمان بالملكيات المتوسطة.
* الالتفاف على الحرية المطلقة بتبنّي تقسيم الحزبيين إلى:
* عضو منتسب لا يمكنه الانتخاب.
* عضو عامل لا ينتخب إلا إذا كلّف بوظيفة.
* عضو مرشد يحق له الانتخاب.
* الأهلية تدرّج منقوص! تقيّده سلطة الزعيم المطلقة!
لم أكن حزبيًا، لكنني رأيت أن مبادئ الحزب فيها شيء من المرونة يمكنني التعايش معها وقتيًا، وليس دائمًا، وخاصة في الأوقات الحرجة. ما لا أتبناه فهو القيود على الحرية. أما تبنّي فكرة "للإنسان قدر حاجته"، فهي في نظري طوباوية تبشّر بها الأديان، متلازمة مع المحاسبة الإلهية.
أنهي هذه الفقرة لأقول إن بهيج تقي الدين افترق عن كمال جنبلاط فكريًا في الحرب الأهلية، وبقي وفيًّا لأصدقائه من كلّ الطوائف. ازداد احترامه لبنانيًا، وقلّ أصدقاؤه الدروز. أما كمال جنبلاط، فكثر مقدّروه إسلاميًا، وندروا مسيحيًا، إلا في صفوف الشيوعيين عمومًا، وداخل الجماعات اليسارية والمثقّفة عمومًا، وكان له في المجال العربي احترام وازن. ومع ذلك، ورغم عدم نجاح كمال جنبلاط في ثورته، فقد حذّر كمال جنبلاط السوريين من دخول الشوف بعد دخول قوات الردع من دون تمهيد، تفاديًا لانتشار التوتر والأحقاد!
[...] اتصلتُ بالنائب بهيج تقي الدين فاستمع إليّ مليًّا. كنت أظن أنه قد ينوّرني برأيه، ولكن جوابه كان قصيرًا وغامضًا. قال: "رياض، الحقيقة أنه ليس لي رأي في ذلك، وإذا تكوّن لي ردّ فسأعلمك به!". كنت أعرف أنه كان ضد ما يجري في المطلق، فأبقى رأيه في صدره، وتوفّاه الله، ولم أسمع منه كلمة عن الحرب!
لقد كان كمال جنبلاط داعية إلى التغيير، ويقول بضرورة تحديث الصيغة اللبنانية وتطوير النظام ثوريًا وإعادة صياغة العلاقات اللبنانية-العربية على قاعدة الالتزام اللبناني بالمصير العربي والمشاركة في مغارمه. لكن بهيج تقي الدين كان مؤمنًا بالميثاق الوطني والصيغة اللبنانية، ويرى فيهما أفضل معادلة تعاقدية ممكنة. أما العروبة عنده فلم تتعدَّ الانتماء الثقافي والتراثي، والعيش في أسرة الجامعة العربية، في جو من الاحترام المتبادل ومراعاة الخصوصيات. لبنان بهيج تقي الدين أمر واقع غير مستقرّ، ولبنان كمال جنبلاط حلم لم يكن على طريق التكوين، وولادته حلم بعيد المنال.
[...] أما المسيحيون في لبنان فكانوا الأصرح والأصحّ رؤيةً، فأعلنوا رفضهم عبور الفدائيين الحدود إلى إسرائيل. وتحوّلت هذه السياسات المتباينة مع الزمن إلى مواجهة مؤسفة، قسّمت الصف اللبناني بين مسلم ومسيحي، وأدّت إلى نشوب حرب أهلية قاسية، لا نزال نعاني من تداعياتها حتى الآن. وتزايد التوتر، ودفع كلّ الناس على الساحة اللبنانية إلى اقتناء السلاح تحضيرًا لمجهول معلوم قادم! وكانت المبادرة فيه للفلسطيني الذي بدأ العمل على تسليح المسلمين واليسار اللبناني، وتحوّل القادة المسلمون والأحزاب اليسارية إلى أتباع للمقاومة الفلسطينية، فيما عمل رئيس "الشعبة الثانية" في الجيش وقتها، العقيد جول بستاني، على تسليح المسيحيين وتدريبهم وإرشادهم عسكريًا.
كانت المؤشّرات في تلك المرحلة مقلقة وخطيرة، ولكن على الرغم من خطورتها، كان المسؤولون السياسيون يعمدون إلى لفلفة القضايا من دون اتخاذ تدابير جذرية. وقعت بعض الالتباسات والإشكالات بين الطرفين أحيانًا. ولكنني، للحقيقة، أجزم أن التجاوزات الفلسطينية طغت، وخاصة التسلّل إلى إسرائيل بأسلوب غير متفق عليه!
حاول كمال جنبلاط، المتعاطف مع القضية الفلسطينية، أن يلعب دور الوسيط بين الصف الإسلامي-الفلسطيني والدولة اللبنانية، لكنه لم ينجح، فقد كان يواجَه بالوعود الفلسطينية الكاذبة والنيات اللبنانية المبيّتة. كلاهما خاف من نفوذه، لأن تنامي هذا النفوذ يهدّد التوازن الداخلي. وكنت محسوبًا على كمال جنبلاط في "الشعبة الثانية" أيضًا، على الرغم من أنه لم يكن يعلم وقتها بوجودي كضابط أصلا. عاملتني "الشعبة" على هذا الأساس الخاطئ، وكنت غير موثوق بي، رغم أنني لم أكن يومًا فلسطيني الهوى على حساب وطني.
صحيح أنني لم أكن أعرف كمال جنبلاط شخصيًا، لكنني، كما سبق وذكرتُ، كنتُ أحترمه لما يتمتّع به من قيم إنسانية سامية، أولا، وثانيًا، لأنني أعيش في دولة مكوّنة من مجموعة رعايا، وعلى رأس كلّ رعية راعٍ، وبالتالي هو من يمثّلني. لذا لم أتقبّل ما كان يُشاع في "الشعبة الثانية" من أن كمال جنبلاط أداة سوفياتية، وقررت الاتصال به عبر ثلاث رسائل، أرسلتها إليه لأرضي ضميري كدرزي، وأُطلعه على ما يدور من أحاديث عنه في "الشعبة".
