محمد دهشة

بالصور - عرسٌ واحد… ستون حكاية حب... ورسالة فرح من قلب المخيمات

5 دقائق للقراءة

 تحت عنوان "حلم واحد… قصص حب متعددة"، فتحت قاعة "لاسال" في الرميلة أبوابها لليلةٍ استثنائية، امتزجت فيها الزغاريد بالدبكة، وارتدت فيها الكوفية الفلسطينية ثوب الفرح، واجتمع نحو ألفَي شخص ليشهدوا على ستين حكاية حب تُكتب فصولها الأولى في ليلة واحدة.

ستون عريسًا وعروسًا من أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان، التقوا في عرس جماعي حمل الفرح بقدر ما حمل من رسالة وطنية واجتماعية، بمبادرة من رجل الأعمال الفلسطيني وعضو المجلس الوطني المستشار سامي بقاعي، في مشهد بدا فيه الفرح أكثر من احتفال؛ بدا فعلًا من أفعال المحبة والتكافل، ومساحةً تقول لأبناء المخيمات إن لهم، وسط أثقال الحياة، حقًا كاملًا في أن يفرحوا، وأن يحلموا، وأن يفتحوا أبوابًا جديدة للمستقبل.

منذ اللحظات الأولى، أخذت الشاشة الحضور إلى ما قبل العرس، عبر فيديو وثّق ساعات الاستعداد الأولى للعرسان، من تفاصيل التجهيز والانتظار إلى لحظة الوصول إلى القاعة. تفاصيل صغيرة سبقت لحظة كبيرة، كأن الكاميرا كانت تجمع خيوط ستين حكاية لتنسج منها ثوب ليلة واحدة.

ثم ارتفع صوت الفرح الفلسطيني مع فرقة الكوفية للتراث الوطني الفلسطيني، التي قدّمت الزفّة الوطنية على أنغام الأغنية التراثية الفلسطينية التي طالما رافقت الأعراس في الجليل ويافا وحيفا.

وفي لحظةٍ بدا فيها الماضي حاضرًا بكل ما يحمله من حنين، تحولت القاعة إلى ما يشبه ساحة قرية فلسطينية قديمة، عادت إليها أعراسها، واستعادت ذاكرتها أصوات الفرح التي حملها الأجداد معهم حين حملوا مفاتيح بيوتهم وذاكرة قراهم إلى المخيمات.

وما إن دخل العرسان جماعيًا، وقد توشّحوا بالكوفية الفلسطينية، حتى استقبلتهم فرقة البيارق بزفّةٍ أشعلت القاعة بالحماس. تعالت التصفيقات، وتداخلت الأصوات، ووقف الحضور يشاركون العرسان فرحتهم، وكأن الستين عريسًا والعروس الستين لم يعودوا ستين حكاية منفصلة، بل حكاية واحدة لقلوب اختارت أن تبدأ معًا.

الرئيس عباس

وكان للفرح الفلسطيني موعد آخر مع كلمة متلفزة وجّهها رئيس دولة فلسطين محمود عباس إلى العرسان وعائلاتهم، معتبرا أن هذا العرس الجماعي يثبت قدرة الشعب الفلسطيني، رغم الألم والمصاعب، على صناعة الفرح وبناء المستقبل لأبنائه وبناته، مثمنًا مبادرة المستشار سامي بقاعي، وما تحمله من روح المسؤولية والتكافل، بوصفها نموذجًا لما يستطيع رجال الأعمال ومؤسسات الشعب الفلسطيني أن يقدموه لتعزيز صمود أبناء شعبهم.

وشدّد على مواصلة الوقوف إلى جانب الفلسطينيين في لبنان ومخيماتهم رغم الحصار المالي غير المسبوق، بما في ذلك تقديم المنح الدراسية عبر المؤسسة، مؤكدًا أن العلم والمعرفة يمثلان الاستثمار الحقيقي في مستقبل الشباب، ومتمنيًا أن يكون اللقاء المقبل وقد زال الاحتلال، وتحـققت العودة، وتجسدت دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

سامي بقاعي

ولم تمر عبارة الرئيس عباس "ستون عريسًا وعروسًا" مرورًا عابرًا على المستشار سامي بقاعي. فقد تلقفها بوصفها دعوة إلى فرح جديد، معلنًا أن التحضير لعرس جماعي آخر يجب أن يبدأ من الآن، في إشارة إلى أن هذه الليلة ليست نهاية الحكاية، بل بداية لحكايات فرح أخرى.

وفي كلمته، وجّه بقاعي الشكر إلى كل من وقف وساند وأسهم في إنجاح هذا العرس، مؤكدًا أن أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان يحتاجون إلى ثلاثة أعمدة أساسية: التعليم، والصحة، والمساندة الاجتماعية.

وأشار إلى أن وكالة «الأونروا» تتحمل أجزاء من هذه المسؤولية، فيما تدعم منظمة التحرير الفلسطينية أجزاء أخرى من خلال الضمان الصحي الفلسطيني، إلى جانب ما تقدمه مؤسسة محمود عباس التي خرّجت 12 ألف طالب وطالبة فلسطينية في لبنان. أما المساندة الاجتماعية، فرأى أنها مساحة أساسية أمام رجال الأعمال وأصحاب المال، من خلال مشاريع تنموية تسند أبناء الشعب الفلسطيني في المخيمات وتفتح أمامهم أبوابًا للحياة الكريمة.

ولأن الفرح حين يكبر يصبح بيتًا للجميع، احتضنت القاعة نحو ألفَي مشارك توافدوا من مخيمات الشمال والجنوب وبيروت، إلى جانب شخصيات سياسية ودبلوماسية ولبنانية وفلسطينية، بينهم عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» مفوض العلاقات الدولية وممثل الرئيس في لبنان ياسر عباس، ومستشار الرئيس للشؤون القانونية وائل لافي، وقائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني اللواء العبد إبراهيم، والنائب الدكتور عبد الرحمن البزري، والسفير الفلسطيني في لبنان الدكتور محمد الأسعد، ورؤساء بلديات وممثلو القوى والأحزاب اللبنانية والفلسطينية وحشد من الإعلاميين.

وفي واحدة من لحظات اللقاء التي جمعت رموز الحضور بالعرسان، التُقطت الصور الجماعية مع ياسر عباس والمستشار سامي بقاعي، قبل أن يدعو بقاعي الجميع إلى المشاركة في مائدة الطعام الجماعية، لتكتمل صورة العرس بوصفه مساحةً يتقاسم فيها الناس الفرح والطعام واللقاء.

ثم أخذت الموسيقى مكانها في قلب القاعة، فأحيا الفنان يوسف الملك وفرقته الموسيقية السهرة متنقلًا بين الأغنيات الوطنية والتراثية، لتتحول القاعة شيئًا فشيئًا إلى حلقات دبكة امتدت حتى ساعات متأخرة. أقدام تضرب الأرض على إيقاع الفرح، وكوفية تلوّح في الهواء، وزغاريد أمهات تعلو فوق الموسيقى، ودموع فرح لم تستطع الوجوه إخفاءها.

في تلك الليلة، لم يكن العرس احتفالًا بستين زوجًا فحسب؛ كان احتفالًا بالمجتمع حين يتكاتف، وبالقلوب حين تجد من يسندها، وبالشباب حين يجدون من يشاركهم خطوة العمر الأولى. ستون عريسًا وعروسًا، ستون بيتًا فلسطينيًا جديدًا، وستون نافذة فُتحت على المستقبل.

ومن قاعة الرميلة، خرجت الرسالة إلى المخيمات كلها: أن الفرح حين يُتقاسَم يكبر، وأن المساندة حين تتحول إلى فعل تصبح سندًا، وأن هذا الشعب، مهما اشتدت عليه الحياة، يعرف كيف يزرع في قلبها وردةً بالفرح وإقامة الاعراس.