تحاول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعادة إحياء مفاوضات السلام بين أوكرانيا وروسيا، خصوصًا في ظلّ تصاعد الضربات المتبادلة بين البلدين نوعًا وكمًّا، فضلًا عن محاولة روسيا إرهاب الدول الأوروبية الداعمة لكييف من خلال تكثيف هجماتها الهجينة ضدّها، الأمر الذي قد يؤدّي إلى مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف "الناتو". لكن الأسباب التي حالت دون تمكّن واشنطن من تحقيق هدفها منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض لا تزال قائمة، إذ إن موسكو ترفض تقديم أي تنازل جدّي وتتمسّك بمطالبها التعجيزية، بينما تأبى كييف تقديم تنازلات مجانية، لا سيما بشأن مسألة الأراضي، من دون ضمانات أميركية - أوروبية صلبة تردع هجمات روسية جديدة قد تُشنّ ضدّها بعد تسوية محتملة للحرب.
يزور المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر موسكو اليوم لإجراء محادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على أن يزورا كييف غدًا للقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في زيارة ستكون الأولى لهما إلى العاصمة الأوكرانية منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وفقًا لما أفاد به موقع "أكسيوس"، الذي أوضح أن ويتكوف وكوشنر اجتمعا مع ترامب في البيت الأبيض الخميس لمناقشة الرحلة. واقترح زيلينسكي الالتزام بوقف لإطلاق النار مع روسيا خلال زيارة ويتكوف وكوشنر إلى موسكو وكييف. وتأتي رحلة المبعوثين الأميركيين بعد 10 أيام من لقاء مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف رؤساء أجهزة الاستخبارات والأمن الروسية في موسكو، حيث كان راتكليف يحاول معرفة ما إذا كان قادة الاستخبارات الروسية قادرين على إقناع بوتين بالسير في مسار دبلوماسي لإنهاء الحرب.
لكن رغم المساعي الأميركية الحثيثة لإعادة إحياء المفاوضات، أكد "أكسيوس" أن محادثات منفصلة عقدها ويتكوف وكوشنر خلال الأشهر القليلة الماضية مع مفاوضين روس وأوكرانيين لم تحرز سوى تقدّم ضئيل، فيما يبدي المسؤولون الأوكرانيون شكوكًا كبيرة في نيات بوتين، ويقولون إن لديهم معلومات استخباراتية تشير إلى أن بوتين يخطّط لتصعيد كبير في الحرب. كما كثّفت روسيا ضرباتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة على المدن الأوكرانية، بما فيها كييف، بينما رفض بوتين مقترحات عدّة قدّمتها إدارة ترامب لعقد قمة ثلاثية تضمّ ترامب وزيلينسكي في محاولة لتحقيق اختراق دبلوماسي. وأكد نائب رئيس مكتب زيلينسكي بافلو باليسا أن بوتين أمر جيشه بإعداد سيناريوات عملياتية عدّة لشنّ هجوم في شمال أوكرانيا، مع تحديد كييف وتشيرنيهيف منطقتين رئيسيتين.
وفي إطار التصعيد الميداني المستمرّ بين أوكرانيا وروسيا، كشف زيلينسكي أن موسكو استهدفت المقرّ الرئيسي لجهاز الأمن الأوكراني في كييف بطائرة مسيّرة أمس، متوعّدًا بـ "ردّ مناسب وملموس، وإن أمكن ردّ مماثل"، بينما واصلت موسكو هجماتها الجوية على العاصمة الأوكرانية لليوم العاشر على التوالي. والتقى زيلينسكي لاحقًا رئيس جهاز الأمن الأوكراني أولكسندر بوكلاد، الذي أبلغه بـ "الاستعدادات لردّنا الفاعل على الضربات الروسية". وأكد زيلينسكي أنه "جرى تحديد النطاق الجغرافي لردّنا، وسيُختار التوقيت بما يضمن تحقيق النتائج". ويُعدّ جهاز الأمن الأوكراني ركيزة أساسية في مجهود البلاد الحربي لأنه ينفّذ ضربات في العمق وشديدة التأثير لإلحاق أضرار بآلة روسيا الحربية وبنيتها التحتية للطاقة، كما أنه مسؤول عن تنفيذ عمليات متطورة ضدّ روسيا، ويُعتبر لاعبًا رئيسيًا في حملة اغتيالات سرّية لمسؤولين عسكريين روس كبار وشخصيات أخرى تتهمها أوكرانيا بارتكاب جرائم حرب.
إلى ذلك، كشفت منظمة الصحة العالمية أن أحد مستودعاتها الرئيسية لتخزين الإمدادات الطبية الإنسانية في أوكرانيا تعرّض للقصف خلال هجوم جوي وقع ليل الخميس - الجمعة في المنطقة المحيطة بكييف. وأفادت وزارة الطاقة الأوكرانية بأن روسيا هاجمت منشآت البنية التحتية للطاقة في منطقة أوديسا في جنوب أوكرانيا ليل الخميس - الجمعة، ما أسفر عن مقتل شخص. وذكرت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها قصفت سفينة شحن في ميناء تشورنومورسك الأوكراني وناقلة نفط بالقرب من أوديسا، بينما أقرّت السلطات في منطقة بريانسك في غرب روسيا بأن هجومًا بطائرات مسيّرة أوكرانية أدّى إلى مقتل شخصين في المنطقة.