الله إذا وُجد؟
وأيُّ وجودٍ ذاك الذي نضعه نحن، العابرين، على طاولة السؤال؟
مَن نحن لنشكّك في الوجود، ونحن لم نفهم بعدُ سرَّ وجودنا؟ مَن نحن لنسأل عن الله وكأن عقولنا المحدودة قادرة على أن تحتوي ما لا تحدّه بداية ولا تطاله نهاية؟
أأرواحنا تكفي لفهمه؟ أم أن هشاشة أجسادنا، لو أبصرت عظمته كاملة، لتفكّكت رهبةً إلى خلايا غير مرئية، وعادت إلى أصلها الأول؟
أعمارنا قصيرة، مهما امتدّت. مئة عام أمام الأزل ليست سوى ومضة، وربما أقلّ من ومضة. فهل تكفي هذه الومضة لفهم ذرّة من سرّ الخلود؟
نحن الذين ما زلنا نحاول فهم أجسادنا؛ خلية تنقسم، وقلب ينبض من تلقاء نفسه.
وهل العلم، مهما بلغ، يعني أننا فهمنا؟
لقد تعلّمنا كيف ينبض القلب، ولم نفهم تمامًا لماذا ينكسر من الحزن. عرفنا مسالك الدم في أجسادنا، ولم نجد مسلكًا للمحبّة. ولكننا، أمام الحياة والموت، ما زلنا نقف بذلك الصمت القديم نفسه.
فهل امتلكنا مفتاح الحياة؟ أم استطعنا أن نأمر روحًا بالبقاء حين يحين الرحيل؟
أبدًا.
"في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله".
كلمةٌ عبرت ظلمة العدم، فكان النور، وتغلغلت في أجسادنا، فولدت فينا نفوسًا وأرواحًا كأنها قادمة من جنّات خلدٍ لازوردية. كلمةٌ زرعت في أعماقنا تلك القدرة الغريبة على المحبّة.
نورٌ حاكى ظلمتنا، فولدت الحياة... لكننا، من شدّة انبهارنا بأنفسنا، أغمضنا مقلتَينا عن مصدر النور. ظننّا أننا حين عرفنا بعض أسرار الخليّة عرفنا سرّ الخليقة، وحين فسّرنا بعض قوانين الكون أصبح الكون بلا سرّ. ونسينا بساطة الحقيقة:
أننا بدأنا من خليّة، وأن أجسادنا من تراب، وإلى التراب تعود.
فالله ليس بعيدًا، إنه حولنا دائمًا، في النور وفي العتمة، في الولادة والرحيل.
إنه فينا، وبيننا، يحتضننا بذراعيه. ويحتضن لبنان أيضًا؛ هذا الوطن الصغير المتعب، المثقل بالحروب، يحتضنه كلّما مرّت فوقه الويلات وظنّ أهله أن القيامة قد قامت ولن يعقبها صباح.
فوق هذا الوطن يدٌ لا نراها، لكننا نؤمن بها.
يدٌ تجمع شظايانا كلّما بعثرتنا الحروب، وتزرع في رمادنا حياةً جديدة، وتقول لنا كلّما خفنا النهاية:
أنا هنا.