لم يكن أخطر ما قاله سمير جعجع في قداس شهداء المقاومة اللبنانية توصيفه لسلاح «حزب الله»، ولا دعوته إلى حل أجنحته العسكرية والأمنية. فموقفه من الدويلة معروف وثابت. الجديد أنه نقل المسؤولية السياسية إلى المكان الذي طالما احتمى خلف عجزه: الدولة نفسها.
قال جعجع إن كان «حزب الله» يستطيع إضاعة الوقت، فالدولة لا تستطيع. بهذه العبارة سقطت الذريعة التي حكمت لبنان طويلاً: أن الدولة تريد ولا تقدر، وأن عجزها مبرر لأن صاحب السلاح لا يمتثل لإرادتها. لكن الدولة لا تُقاس بما تريده في غياب العقبات، بل بما تفعله في مواجهة من يمنعها من ممارسة سلطتها.
رفض «حزب الله» التخلي عن سلاحه ليس خبراً جديداً. الجديد الذي ينتظره اللبنانيون هو جواب السلطة عن هذا الرفض. لقد أعلنت الحكومة أن السلاح يجب أن يكون حصراً في يد الشرعية، لكنها لم تُظهر بعد كيف ستجعل هذا المبدأ واقعاً. فالسيادة التي تبقى في البيانات ليست سيادة ناقصة فحسب؛ إنها إقرار رسمي بأن هناك من لا يزال أقوى من القرار الرسمي.
لقد مُنح العهد الجديد ثقة واسعة. جاء جوزف عون إلى الرئاسة على وعد استعادة الدولة، وجاء نواف سلام إلى الحكومة محمولاً على رصيد قانوني وإصلاحي. لكن التأييد ليس شيكاً مفتوحاً، والرجاء ليس بديلاً من المحاسبة. بدأت شرعية العهد بالوعد، وتعززت بالقرار، لكنها لا تستمر إلا بالإنجاز. وبين المراحل الثلاث ينتقل الحكم من رصيد النيات إلى امتحان النتائج.
من هنا تأتي أهمية قول جعجع إن الاعتقاد بالعبور إلى دولة المؤسسات «لم يكن في محله تماماً». إنها ليست قطيعة مع رئيس الجمهورية أو الحكومة، بل نهاية المهادنة مع أدائهما. فالقواسم المشتركة لا تلغي الأخطاء، ودعم العهد لا يعني حمايته من النقد. وأخطر ما قد يفعله الحلفاء أن يجمّلوا التعثر حتى يصبح نهجاً، وأن يسموا البطء حكمة، والتردد حرصاً، وتعليق الحسم حفاظاً على الاستقرار.
أي استقرار يحتاج دائماً إلى تنازل الدولة كي يستمر؟ الاستقرار الذي يُحمى بتعطيل القانون ليس استقراراً، بل هدنة تمنحها الدويلة للشرعية. والوحدة الوطنية التي تُصان بمنع المؤسسات من ممارسة صلاحياتها ليست وحدة، بل توزيع منظم للخوف. أما السلم الأهلي الذي يُستخدم لإسكات الدولة، فهو سلطة السلاح مترجمة إلى لغة رسمية مهذبة.
لقد أصاب جعجع جوهر العطب حين تحدث عن «الدولة العميقة». فالدويلة لم تعد ترسانة قائمة خارج المؤسسات فقط؛ لقد بنت داخلها شبكة تحميها: إدارة تؤجل، وقضاء يتردد، ومسؤول يختبئ خلف الغموض. لم تعد بحاجة إلى إسقاط الدولة؛ يكفيها أن تجعلها بطيئة حين يجب أن تحسم، وغائبة حين يجب أن تحضر، ومتناقضة حين يجب أن يكون قرارها واحداً.
لذلك لا تُستعاد السيادة بمعالجة السلاح وحده، بل بتحرير القرار والإدارة والأجهزة من النفوذ الذي يحوّل كل مؤسسة إلى مرجعية مستقلة.
عندما يُستبعد وزير الخارجية من زيارات تقع في صلب اختصاصه، فالمسألة ليست خلافاً بروتوكولياً، بل امتحان لمفهوم المؤسسة. وعندما تعتبر الخارجية مسؤولاً إيرانياً سابقاً شخصاً غير مرغوب فيه، ثم تمنحه إدارة أخرى إقامة، فهذه ليست فوضى أوراق؛ إنها دولة تنقض نفسها بنفسها. فمن يحكم فعلاً حين تصدر السلطة موقفين متناقضين في القضية ذاتها؟
كذلك، احترام الجيش لا يعني وضعه خارج المساءلة. الجيش مؤسسة وطنية تنفذ قرار السلطة السياسية، ولا ترسم سياسة موازية لها. تقدير الظروف، وحماية الوحدة، وتحديد حدود الممكن مسؤولية الحكومة. وعندما ينسحب السياسي من موقع القرار ويترك للمؤسسة العسكرية تحديد ما يُنفذ ومتى، لا يكون قد حمى الجيش، بل حمّله وزر عجزه.
أما الحكومة فلا تصبح ناجحة لمجرد أنها لم تسرق. نظافة الكف هي الحد الأدنى وليست إنجازاً استثنائياً. النجاح يُقاس بسرعة الإصلاح، وشفافية القرار، وفعالية المساءلة. وبقاء قانون الفجوة المالية عالقاً بين الحكومة والمجلس، بينما أموال الناس محتجزة والقطاع المصرفي مشلول، ليس خلافاً تقنياً؛ إنه دليل على أن المسؤولية تضيع كلما توزعت، وأن المؤسسات تستخدم صلاحياتها لتبادل الأعذار بدلاً من إنتاج الحلول.
لقد دقت ساعة قيام الدولة، لكن الساعات التاريخية لا تنتظر المترددين. المطلوب جدول سيادة: قرارات محددة، ومهل معلنة، وآليات تنفيذ ومساءلة لكل معرقل. وما عدا ذلك إدارة للأزمة لا بناء للدولة.
من يريد بناء الدولة لا ينتظر زوال العقبات، لأن إزالتها هي جوهر مهمته. وإذا أُهدرت الفرصة، فلن يستطيع أحد القول إن الدولة مُنعت من أن تقوم. ستكون الحقيقة أشد قسوة: لقد بدأت بشرعية الوعد، وانتقلت إلى شرعية القرار، لكنها سقطت في امتحان الإنجاز؛ وعندما سقطت، أصبح تقاعسها الحماية الأخيرة للدويلة.