لم تعد تلة علي الطاهر مجرد مرتفع عسكري في جنوب لبنان، ولا مجرد نقطة جديدة في المواجهة المفتوحة بين إسرائيل و«حزب الله». فمع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول، باتت هذه التلة تجمع بين أهميتين متداخلتين: قيمة عسكرية تفرضها الجغرافيا، وقيمة سياسية يمكن لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحويلها إلى «إنجاز» في معركته الانتخابية.
تقع علي الطاهر في منطقة النبطية، بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، على مسافة تقارب 15 كيلومتراً من الحدود مع إسرائيل، وترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر. ومن قمتها يمكن الإشراف على مساحة واسعة من جنوب لبنان، فيما يشكل موقعها حلقة وصل باتجاه إقليم التفاح، الذي يتمتع بدوره بأهمية جغرافية وعسكرية. ولذلك، لا تُقاس قيمة التلة بحجمها، بل بما تمنحه لمن يسيطر عليها من قدرة على الرصد والتحكم بالمحاور المحيطة.
وتتضاعف أهميتها بسبب ما تحت الأرض. فوفق مصادر أمنية لبنانية تحدثت إلى «رويترز»، يُعتقد أن «حزب الله» أنشأ داخلها مركز قيادة ومستودعات أسلحة ومنظومة من المنشآت تحت الأرض. كما منح ارتفاعها الحزب، بحسب محللين، موقعاً مناسباً لإطلاق الصواريخ القصيرة المدى والمسيّرات باتجاه شمال إسرائيل. وهي عوامل تفسر لماذا تحولت التلة إلى أحد الأهداف العملياتية الأساسية للجيش الإسرائيلي.
وللموقع ذاكرة عسكرية أيضاً. فقد سيطرت عليه إسرائيل خلال احتلالها جنوب لبنان الذي انتهى عام 2000، قبل أن تعود علي الطاهر اليوم إلى قلب المواجهة. وأعلنت إسرائيل أخيراً أنها تمكنت من إخلاء مقاتلي «حزب الله» من شبكة الأنفاق وتحقيق «سيطرة عملياتية» على الموقع. إلا أن الصورة الميدانية الدقيقة تبقى أكثر تعقيداً، إذ نقلت «رويترز» عن مسؤول عسكري لبناني أن القوات الإسرائيلية تسيطر على المداخل الجنوبية وتراقب الشمالية بالمسيّرات، من دون وضوح كامل بشأن مدى توغلها داخل شبكة الأنفاق.
لكن أهمية علي الطاهر لا تنتهي عند الحساب العسكري. هنا تدخل الانتخابات الإسرائيلية على الخط.
نتنياهو يحتاج، قبل توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع، إلى ترسيخ صورته بوصفه الرجل القادر على إعادة رسم البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل. و«رويترز» نقلت عن أندريا تيننتي، المتحدث السابق باسم «اليونيفيل»، أن إسرائيل تحتاج قبل الانتخابات إلى «انتصار كبير» في منطقة لطالما اعتُبرت معقلاً لـ«حزب الله». وفي المقابل، قد تفضّل إسرائيل الحصار والاستنزاف على الاقتحام المباشر إذا كان الثمن خسائر بشرية يمكن أن تنقلب سياسياً على الحكومة في توقيت انتخابي حساس.
وهنا تحديداً تتحول علي الطاهر من هدف عسكري إلى ورقة سياسية. فالسيطرة عليها تتيح لنتنياهو تقديم رواية بسيطة للناخب الإسرائيلي: موقع كان يمثل تهديداً للشمال أصبح تحت السيطرة الإسرائيلية. إنها صورة قابلة للتسويق انتخابياً، خصوصاً أمام جمهور يميني يضع الأمن في صدارة أولوياته.
مع ذلك، سيكون من الخطأ تفسير العملية كلها باعتبارات انتخابية. فعلي الطاهر تمتلك قيمة عسكرية حقيقية ومستقلة عن صناديق الاقتراع. لكن الانتخابات تمنح هذه القيمة بعداً إضافياً، وتجعل توقيت الإنجاز وحجمه وطريقة تقديمه للرأي العام عناصر لا تقل أهمية عن الإنجاز العسكري نفسه.
أما لبنان، فالمشكلة أعمق من مصير تلة واحدة. فالسيطرة الإسرائيلية على مرتفع استراتيجي شمال الليطاني يمكن أن تتحول إلى ورقة تفاوضية في أي ترتيبات أمنية أو مفاوضات لاحقة حول الانسحاب وانتشار الجيش اللبناني ومستقبل السلاح. وهكذا تصبح علي الطاهر نقطة يلتقي عندها الميدان اللبناني بالحساب الإسرائيلي الداخلي: تلة صغيرة على الخريطة، لكنها كبيرة في ميزان الأمن والتفاوض، وربما في صناديق الاقتراع أيضاً