ريشار حرفوش

يا تيار المولدات… البواخر رحلت والعتمة بقيت

4 دقائق للقراءة

لم تكن المولدات الكهربائية قدراً محتوماً على اللبنانيين، ولم تتحول من حل طارئ إلى قطاع موازٍ للدولة من تلقاء نفسها. تمدّدها كان نتيجة سنوات من العجز عن بناء إنتاج كهربائي دائم، وفي صلب هذه المرحلة كان التيار الوطني الحر وحلفاؤه، الذين تولّوا وزارة الطاقة لسنوات وكانوا شركاء أساسيين في السلطة.

المطلوب لم يكن لغزاً: بناء وتأهيل المعامل، زيادة الإنتاج الدائم، تطوير الشبكات، خفض الهدر وإصلاح مؤسسة كهرباء لبنان. لكن بدلاً من تثبيت الحل الدائم، ترسخت الحلول المؤقتة: البواخر للدولة، والمولدات للمواطن.

وهنا تحديداً يلتقي ملف البواخر بملف المولدات.

فالبواخر كان يفترض أن تكون حلاً انتقالياً تشتري به الدولة الوقت ريثما تُبنى المعامل، تماماً كما كان المولد حلاً اضطرارياً يلجأ إليه المواطن ريثما تعود كهرباء الدولة. لكن السنوات مرّت، وطال عمر المؤقت وتأخر الدائم. وفي النهاية رحلت البواخر وبقيت المولدات.

وهذه هي خلاصة السياسة التي اتُّبعت: لم يتحول الوقت والإنفاق والوعود إلى قدرة إنتاجية دائمة تكفي حاجة البلد. فكل معمل تأخر، وكل زيادة إنتاج لم تتحقق، كان ثمنهما مزيداً من الاعتماد على المولد الخاص.

الدولة دفعت ثمن الحلول المؤقتة، والمواطن دفع فاتورة المولد، وفي النهاية بقي العجز.

لذلك لا يمكن فصل ظاهرة المولدات عن طريقة إدارة ملف الكهرباء. فالمولد ليس مجرد مشكلة جانبية، بل هو الشاهد اليومي على الفراغ الذي تركته كهرباء الدولة. وكلما طال العجز الرسمي، كبر اقتصاد المولدات وترسخ أكثر.

وبعد سنوات طويلة من إدارة وزارة الطاقة، لا تُقاس الحصيلة بعدد الخطط والمؤتمرات والمناشير، بل بسؤالين لا يحتاجان إلى خبراء: هل أصبح لدى لبنان إنتاج دائم يكفيه؟ وهل استغنى اللبناني عن المولد؟

الجواب يعرفه كل من لا يزال يدفع فاتورتين للكهرباء.

لهذا يبدو عبثياً أن يحاول التيار الوطني الحر اليوم اختصار تاريخ الأزمة بأشهر الوزير الحالي، وكأن قطاع الكهرباء بدأ معه، وكأن السنوات الطويلة التي أمسك فيها التيار وحلفاؤه بالوزارة يمكن شطبها من دفتر الحساب.

الوزير الحالي ليس فوق المحاسبة. يُحاسب على قراراته ووعوده وما ينجزه أو يعجز عن إنجازه. لكن المحاسبة لا تكون جدية عندما تبدأ من اليوم، فيما يُراد للناس أن تنسى الأمس.

فما يُطلب إنجازه اليوم خلال أشهر لم يُنجز خلال سنوات كانت فيها قدرة الدولة على التمويل أكبر والظروف الاقتصادية أقل قسوة. أما اليوم، فإعادة بناء القطاع تجري في دولة خرجت من انهيار مالي ونقدي، وبقدرة تمويلية محدودة، وفي ظل ارتفاع كلفة الطاقة واضطرابات وحروب إقليمية ودولية تزيد العبء على بلد منهك أصلاً.


ولا يمكن فصل هذا المسار عن الخيارات السياسية الأوسع. فالتيار الوطني الحر لم يكن معارضة تراقب السلطة من بعيد، بل كان في قلبها، كما ارتبط بتحالف طويل مع حزب الله ووفّر الغطاء السياسي لخياراته. ومن كان شريكاً في السلطة وفي خياراتها الكبرى لا يستطيع، عندما يحين وقت الحساب، أن يعيد تقديم نفسه كأنه كان مجرد شاهد على النتائج.


لذلك لن تمحو المناشير ولا الحملات ولا رفع الصوت ذاكرة اللبنانيين.


فالناس لا تحتاج إلى أرشيف كي تتذكر. عاشت العتمة، ودفعت فاتورتين، وسمعت الوعود، وشاهدت البواخر تأتي وتذهب، فيما بقي المولد ثابتاً في الحي.


وهذه ربما الصورة الأكثر إحراجاً لكل تلك المرحلة:


الباخرة التي قُدّمت كحل مؤقت رحلت. المولد الذي كان يفترض أن يكون مؤقتاً بقي. أما الحل الدائم الذي كان يفترض أن ينهي الحاجة إلى الاثنين، فلم يتحقق بالقدر الذي وُعد به اللبنانيون.


لذلك، فإن مهاجمة الوزير الحالي لا تمحو الماضي، بل تستدعيه. ومن يريد محاسبته على أشهره، عليه أن يقبل أولاً بفتح حساب السنوات التي سبقته.


فالكهرباء لا تُنتج بالمناشير، والمعامل لا تُبنى بالخطابات، والمسؤولية لا تسقط بمجرد الخروج من الوزارة.


ومن أمسك بملف الكهرباء سنوات طويلة لا يستطيع اليوم أن يقف أمام اللبنانيين مطالباً الآخرين بمعجزة خلال أشهر، وكأنه لم يكن هناك.


ويبقى السؤال الذي لا يستطيع أي منشور سياسي أن يطمسه:


يا تيار المولدات، إذا كانت البواخر جسراً مؤقتاً إلى الكهرباء الدائمة، فلماذا رحلت البواخر وبقي المولد؟ وأين هي الكهرباء التي وعدتم اللبنانيين بأنها ستجعلهم يستغنون عن الاثنين؟


وإذا كنتم تعرفون اليوم بهذه الثقة كيف تُحل أزمة الكهرباء، فلماذا لم تحلوها عندما كانت وزارة الطاقة في أيديكم، والوقت أمامكم سنوات لا أشهراً، والظروف أفضل والقدرة على التمويل أكبر؟


قبل أن تسألوا ماذا فعل الوزير في أشهره، أجيبوا أنتم عمّا فعلتم في سنوات.