نبيل يوسف

أيلول 1976... ولادة «الجبهة الوطنية» (الجزء الأول)

9 دقائق للقراءة
الرئيس سليمان فرنجية أحد أركان «الجبهة الوطنية»

رغم كل الضغوط العسكرية والسياسية التي تعرّض لها، صمد الرئيس سليمان فرنجية مدعومًا من «الجبهة اللبنانية»، ولم يستقل وسلّم رئاسة الجمهورية للرئيس الياس سركيس في اليوم الأخير من ولايته الدستورية في 23 أيلول 1976.

توقفت لغة السلاح وأعلن انتهاء ما عرف بحرب السنتين، وبدأ انتشار «قوات الردع العربية»، وقبل انتهاء ولايته الرئاسية بأسابيع قليلة سعى الرئيس فرنجية لاقامة جبهة سياسية تدعم مواقفه وحضوره.

الخميس في  9 أيلول 1976، أعلن من منزل النائب رينيه معوض في الأشرفية ولادة «الجبهة الوطنية» خلال مؤتمر صحافي أذاع خلاله نائب بشري السابق الشيخ قبلان عيسى الخوري ميثاقها.

حضر المؤتمر إضافة إلى الشيخ قبلان عيسى الخوري النواب: حبيب كيروز، رينيه معوض، الأب سمعان الدويهي، طوني فرنجية، فؤاد غصن، باخوس حكيم، بطرس حرب، طارق حبشي وعبد الله الراسي والوزراء السابقين: هنري طربيه، جان نفاع، جورج سكاف والسادة: سليم كرم، سيمون بولس، جورج يوسف ضو وإتيان صقر «أبو أرز».

في بداية المؤتمر، أعلن الشيخ قبلان عيسى الخوري، أن الجبهة، تؤمن بلبنان الحرّ السيّد المستقل، وشعارها: الوحدة والعدالة والمساواة والولاء للبنان، معلنًا أن طابعها الحالي قد يكون عسكريًّا أو قد يطغى الطابع العسكري عليها حتى زوال هذه الغيمة السوداء عن سماء وطننا، والجبهة منفتحة على الجميع.

وتلا ميثاق الجبهة ومبادئها وأهدافها وهيكليتها داعيًا «أخوتنا في المواطنية إلى العمل يدًا واحدة في تجمع وطني لا يهدأ له جهد قبل أن يتكامل النفع في كيانه».

ردًّا على أسئلة الصحافيين، أشار الشيخ قبلان عيسى الخوري، أن الجبهة هي من ضمن «الجبهة اللبنانية» وعلاقتها بأحزاب الجبهة علاقة أخوة ونضال مشترك وتنسيق كامل، لا سيما حاليًا في المجال العسكري حتى انتهاء الأزمة التي تعصف بالبلاد، وحول دور الرئيس سليمان فرنجية في إطلاق الجبهة، قال إن الجبهة تتشرف بأن يكون الرئيس فرنجية من أركانها وترحب بانضمام أي قيادي لبناني إليها، وهي ليست جبهة شمالية بقاعية فقط، وإن كان مجالها الجغرافي حاليًا هو في الأقضية الشمالية المسيحية ومنطقة دير الأحمر، لكنها ستسعى قريبًا للتوسع إلى باقي الشمال وكل لبنان، وفيما خص اتفاق القاهرة، أعلن أن الجبهة لم تتخذ بعد موقفًا رسميًا منه، لكنه شخصيًا عارضه عام 1969 عندما كان نائبًا.

حول وضع طرابلس وإمكانية عودة المسيحيين الشماليين إليها، أشار إلى أن طرابلس كانت وستبقى عاصمة الشمال: كل الشمال بمسيحييه ومسلميه، متمنيًا زوال الكابوس الغريب عنها، لتعود مدينة التلاقي، وفيما خص العلاقة اللبنانية – السورية، اعتبر أنها يجب أن تكون علاقة شقيقان توأمان في إطار سيادة واستقلال وحرية كل دولة على ترابها الوطني، وأعلن أن الاجتماع الأول للجبهة سيعقد الأربعاء 15 أيلول 1976 في منزل النائب السابق يوسف ضو في البترون.

وختم كلامه (آنذاك) متمنيًا أن يشكل عهد الرئيس الياس سركيس الذي سينطلق بعد أيام قليلة نهاية الأزمة اللبنانية، معلنًا دعم «الجبهة الوطنية» لجميع الخطوات التي يقوم بها الرئيس المنتخب.

بعد المؤتمر الصحافي، انتقل المشاركون إلى الحازمية وسلموا الرئيس الياس سركيس ميثاق الجبهة. وكان أعضاؤها اجتمعوا بالرئيس سليمان فرنجية في مقره في الكفور قبل الانتقال لعقد المؤتمر الصحافي.

عاد وزارت وفود من الجبهة كل من: البطريرك أنطونيوس خريش والرئيس كميل شمعون والرئيس شارل حلو والشيخ بيار الجميل والآباتي شربل قسيس، وسلموهم ميثاق الجبهة.

الاجتماع الأول في البترون

في الموعد المحدد لاجتماعها الأول، بدأت قيادات الجبهة بالوصول إلى منزل آل ضو، ولم يكن اكتمل عددهم حتى سمع صراخ في الخارج وخرطشة سلاح: اشكال على الطريق أمام المنزل بين مرافقي النائب طوني فرنجية وسيارة تقل شبان كتائبيين.

حاول مرافقوا باقي الزعماء تهدئة الوضع، لكن الأمور تأزمت بعدما جرى تلاسن آخر في شارع البترون القريب بين شبان كتائبيين وبعض مرافقي زعماء زغرتا.

حدس جورج ضو أن الأمور آخذة في التدهور، فما كان منه إلا أن اتصل بالشيخ بشير الجميّل في المجلس الحربي متمنيًا أن يكون موجودًا، وبالفعل صودف وجود الشيخ بشير في مكتبه، فشرح له الوضع في البترون وتخوفاته من تدهور الأوضاع.

رد الشيخ بشير بأنه سينطلق فورًا إلى البترون طالبًا من الجميع البقاء في المنزل واكمال الاجتماع، ولم يمض وقت حتى وصل الشيخ بشير وشارك في الاجتماع في محاولة منه لتهدئة الأوضاع.

يقول جورج ضو: حقيقة خلال ذلك الاجتماع أحسسنا جميعنا ببعد المسافة بين طوني فرنجية وبشير الجميّل، وبعد الاجتماع قال لي الشيخ قبلان عيسى الخوري وهو يغادر: «الله يسترنا من معامل شكا ستخرب المسيحيين».

انطلقت «الجبهة الوطنية» وبدأت نشاطها، وراحت تعقد اجتماعات دورية وتصدر بيانات سياسية من ضمن توجهات «الجبهة اللبنانية».

الضربة الأولى للجبهة الوطنية

لم يكن مرّ أسبوع على اطلاق الجبهة حتى تعرضت لهزة كبيرة، صدّعت بعض بنيانها الجديد.

في تفاصيل ما جرى: كان مقررًا أن تتوجه قيادات الجبهة اللبنانية صباح الأحد 19 أيلول 1976 إلى بشري للمشاركة في القداس والجناز الذي يقام لراحة أنفس شهداء البلدة الذين سقطوا خلال حرب السنتين، لكن أحداثًا مأساوية بدلت كل المواعيد، فعصر السبت حصل إشكال في بلدة حوقا على الحدود الفاصلة بين منطقتي بشري وزغرتا بين شبان من آل رحمه وآل فرنجية أسفر عن مقتل مارون غالب فرنجية.

ليلا رد أقارب القتيل بقتل 8 شبان بشرانيين في أماكن عدة من منطقتي زغرتا والكورة، وبدأت أعمال ثار متبادلة بين الطرفين سقط لاحقًا نتيجتها 4 زغرتاويين وشاب بشراوي.

هزّ ما جرى «الجبهة الوطنية» فأعلن النائب جبران طوق انسحابه منها فيما آثر النائب حبيب كيروز الصمت، لكنه ابتعد عنها بهدوء ولم يعد يشارك في اجتماعاتها.

رغم الضربة التي تلقتها، استمرت «الجبهة الوطنية» وشاركت في خلوة «الجبهة اللبنانية» في سيدة البير بوفد ضم الوزراء السابقين: هنري طربيه، جورج سكاف وجان نفاع، وقدمت ورقة عمل تلاها الوزير السابق هنري طربيه.

مما جاء في ورقة الجبهة الوطنية: حرب لبنان كانت حلقة من ضمن سلسلة طويلة، ومن أسبابها أن فريقًا لبنانيًا أخفق في الوفاء بكامل التزاماته تجاه وطنه، وهناك قلق مصيري يتملك اللبنانيين لا سيما الشباب منهم، والمعبّر عنه بازدياد الهجرة إلى خارج الوطن، فالمطلوب العمل على طمأنة الشباب على مستقبلهم في وطنهم.

طلبت الورقة أن تشكل الوثيقة الدستورية التي أعلنها الرئيس فرنجية في شباط 1976 قاعدة للبحث في الوفاق الوطني، وشرحت الدور الفلسطيني السلبي تجاه لبنان حيث حاولوا بناء دولتهم على أرضه.

في ما خص المرحلة الآتية شددت الورقة على:

استكمال تحرير كامل تراب الوطن من كل وجود مسلّح واستعادة السيادة الوطنية الكاملة.

ضبط الوجود الأجنبي على كامل الأراضي اللبنانية حتى داخل المخيمات الفلسطينية.

تكريس لبنانية المغتربين والمهاجرين وشد الأواصر معهم، علمًا أنهم كانوا سندًا أساسيًا في معركة الصمود.

النظر بحذر شديد إلى تملك الأجانب في لبنان، وضرورة متابعة هذا الملف متابعة جدية.

رفض عمل كل الأحزاب ذات الأفكار المستوردة، وغير المؤمنة بنهائية الكيان اللبناني.

ختمت الورقة بالتشديد على أنه لا بد من إبراز الصيغة الجديدة التعددية في المجتمع اللبناني، ووحدة الجبهة اللبنانية وتماسك جميع مكوناتها أساسي في هذه المرحلة، مع التذكير أنه لولا هذه الوحدة لما تم الانتصار في معركة الصمود اللبناني، ولن يتم ضرب الكيان اللبناني إلا إذا تم ضرب «الجبهة اللبنانية» من الداخل وتفكيكها.

ما بعد خلوة سيدة البير

بعد انتهاء أعمال الخلوة، بدأت القوات السورية فجأة توسيع انتشارها داخل المنطقة الشرقية، التي أضربت بناء لدعوة القيادة الموحدة للقوات اللبنانية، فيما توجه أعضاء الجبهة اللبنانية للقاء الرئيس الياس سركيس لاطلاعه أولا على نتائج الخلوة واستيضاحه حقيقة الانتشار السوري الجديد.

لمعالجة الاشكالات التي رافقت هذا الانتشار العسكري، وصل إلى بيروت العقيد السوري محمد الخولي، وفور وصوله زار الرئيس سليمان فرنجية في منزله في النقاش وعقد لقاء معه بحضور الشيخ قبلان عيسى الخوري وعدد من أعضاء «الجبهة الوطنية»، وكان توضيح لما حصل واصرار من الجانبين على تنفيذ اتفاق القاهرة، والتشديد على متانة العلاقة بين سوريا و»الجبهة اللبنانية».

الفروع الثانية في الجامعة اللبنانية

من الملفات التي حملتها «الجبهة الوطنية» وقتها: ملف الفروع الثانية للجامعة اللبنانية التي تقرر فتحها في المنطقة الشرقية بعد أن كان وقّع مراسيمها الرئيس سليمان فرنجية قبل انتهاء ولايته، وتأخر مباشرة التدريس فيها بسبب تمنّع الرئيس سليم الحص عن وضع تلك المراسيم موضع التنفيذ تحت حجة أن فتح فروع للجامعة اللبنانية في المنطقة الشرقية والمحافظات هو نوع من التقسيم المرفوض من قبله.

ردًّا على موقف رئيس الحكومة، أصدرت «الجبهة الوطنية» بيانًا اعتبرت فيه أن التقسيم إن كان سيحصل «ونحن سنعمل بكل قوانا لمنع حصوله» فإنشاء فروع جديدة لا يمكن أن يسرّعه، ثم أن قضية الفروع الثانية وفروع المحافظات ليست قضية أمن ومناطق وحسب، ذلك أن الكليات المركزية في بيروت لم تعد تستوعب الأعداد الكبيرة من الطلاب، إضافة إلى الكلفة الكبيرة على الطالب الذي سيضطر للابتعاد عن منزله واستئجار غرفة له، فتقريب الكليات من الطلاب في جميع المناطق أُنشئت لتخفف عن الطلاب الأعباء الاقتصادية.

عاد وزار وفد من «الجبهة الوطنية» برئاسة الشيخ قبلان عيسى الخوري الرئيس الياس سركيس شارحًا الأسباب التي تدفعهم للمطالبة بفتح الفروع الثانية في أسرع وقت ممكن.

نجحت مساعي قيادات «الجبهة اللبنانية»، واعتبارًا من 9 كانون الثاني 1977 بدأ تسجيل الطلاب في الفروع الثانية، وتجهيز الأماكن وتأمين الكادر التعليمي والوظيفي لانطلاق التدريس، وأواخر شهر آذار 1977 باشرت كليات الفروع الثانية في الجامعة اللبنانية تباعاً استقبال الطلاب.