يواجه النظام الإيراني أشدّ أزمة في تاريخه الدموي الطويل، إذ ضربت القيود الاقتصادية الأميركية التي فُرضت أخيرًا ضمن عملية "المنبوذ الاقتصادي"، إلى جانب الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية، قدرة النظام على الحصول على العملات الأجنبية واستيراد البضائع والاستفادة من شبكات التمويل العالمية التي طالما عوّل عليها للالتفاف على العقوبات الغربية، بينما أصبح نقص الواردات الرئيسية، بما في ذلك الوقود والقمح، مصدر قلق متزايد بالنسبة إلى الملالي، الذين يخشون اندلاع ثورة شعبية جديدة في وجههم قد لا يتمكّنون من قمعها هذه المرّة. بالتوازي، خسر "الحرس الثوري" جزءًا مهمًا من قدرته على عرقلة الملاحة في مضيق هرمز، بعدما تعرّضت مواقعه وأصوله العسكرية حول المضيق لقصف أميركي مكثّف أخيرًا.
نقلت واشنطن مركز الثقل في المواجهة إلى الحلقة الأكثر حساسية لدى النظام: المال. تحاول أميركا دفع نظام آيات الله إلى التراجع من خلال خنق موارده وإطالة أمد استنزافه. وتكشف ورقة هرمز حدود القدرة الإيرانية على قلب المعادلة. فقد راهنت طهران على أن اضطراب الملاحة في ممرّ كان يعبره قبل الحرب نحو 20 في المئة من إمدادات النفط والغاز العالمية سيُربك الاقتصاد الدولي ويفرض على واشنطن تقديم تنازلات. غير أن الأسواق تكيّفت، وظهرت مسارات بديلة للإمدادات، فيما لم تتمكّن إيران من إغلاق المضيق بالكامل أو تحويل التهديد إلى ضغط حاسم.
وتكمن المفارقة في أن طهران باتت تتحمّل كلفة تفوق بكثير ما تنجح في فرضه على خصومها. لقد تغيّر المشهد؛ فالجمهورية الإسلامية لم تعد في موقع من يفرض شروطه، وإنما في موقع من يقاتل للحفاظ على موارده ومنع تآكل أدوات نفوذه. إنها تُستنزف بوتيرة متسارعة وقد تكون آيلة إلى الانهيار. وسط هذه الأجواء، أقرّ رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بأن المعركة الرئيسية لإيران، إلى جانب الجبهة العسكرية، أصبحت الآن مرتبطة بالإنتاج وبمعيشة المواطنين. وتحدّثت مصادر في المنطقة لوكالة "رويترز" عن أنه من غير الواضح ما إذا كان الضغط الاقتصادي على إيران سيدفع الإيرانيين إلى تقديم تنازلات، لكنّها ذكرت أن صيغة جديدة لحلّ الأزمة تخضع للنقاش بين الوسطاء وطهران.
وأكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن النفط لا يخرج من إيران بسبب الحصار، مشيرًا إلى أنه لم يتبقَّ على الأرجح سوى نحو 30 مليون برميل من النفط الخام الإيراني لم تشترها الصين بعد. وأوضح أن هذه الكمية ستنفد قريبًا، وبعد ذلك لن تعود مسألة مشتريات الصين ذات أهمية، لأنّه لن يكون هناك منتج متاح للشراء. وذكر وزير الطاقة الأميركي كريس رايت أن متوسّط تدفّق النفط عبر هرمز يبلغ حاليًا أكثر من تسعة ملايين برميل يوميًا، مشيرًا إلى أنه "مع خطوط الأنابيب حول المضيق، فإنّنا نصل على الأرجح إلى ثلثي تدفّقات قبل النزاع أو أكثر".
ورغم الأوضاع الكارثية التي بات النظام الإيراني يعيشها، لا يزال مسؤولوه يعتمدون خطاب التهديد والوعيد الفارغ، كما يواصل "الحرس الثوري" اختراع بطولات عسكرية وهمية، مع تراجع قدراته على فرض إرادته في هرمز. فقد توعّد قاليباف واشنطن بردّ "أسرع وأشدّ وأكثر إيلامًا" على ضرباتها، قائلًا إن "عصر الردود المتناسبة قد انتهى"، وإن على أميركا أن تدرك "قبل فوات الأوان" أن "قواعد اللعبة تغيّرت". وكشف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي أن بلاده ستعلن منطقة محظورة خارج هرمز في الأيام القليلة المقبلة.
ويأتي ذلك بعدما ادّعت طهران أنها استهدفت زورقًا مسيّرًا أميركيًا في هرمز، الأمر الذي نفاه الجيش الأميركي بشكل قاطع. وكان "الحرس الثوري" قد زعم استهداف ثلاث ناقلات نفط "كانت تعبر المضيق بشكل غير مصرّح به"، وثلاث سفن حربية أميركية في مناطق أخرى ليل السبت، بعدما كان الجيش الأميركي قد عطّل بشكل دائم ناقلتين للنفط الخام الإيراني ودمّر بالكامل ناقلة ثالثة فارغة السبت، مشيرًا إلى أن إحدى الناقلات كانت قبالة جزيرة خرج الإيرانية. وأفاد بأن الناقلات المستهدفة كانت جزءًا من شبكة ظلّ تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، تموّل "الحرس الثوري" ووكلاءه الإقليميين.
وأوضح الجيش الأميركي أن استهدافه للناقلات جاء ردًّا على إطلاق "الحرس الثوري" صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات ومدمّرة تابعتين للبحرية الأميركية كانتا تقومان بدوريات في المياه الإقليمية، مؤكدًا أن السفينتين الحربيتين نجحتا في تفادي الهجمات الإيرانية ولم يُصب أيّ من الأفراد الأميركيين بأذى. وتوعّد الإيرانيين بأنهم "إذا أطلقوا النار على سفينتين لنا، فسوف نفرض عليهم كلفة اقتصادية أكبر عبر إخراج ثلاث من سفنهم من الخدمة".
يمنيًا، تتواصل الاشتباكات المحتدمة بين قوّات الحكومة الشرعية والحوثيين، الذين يحاولون توسيع رقعة سيطرتهم إلى المناطق المتاخمة لمضيق باب المندب. وكشفت مصادر عسكرية لوكالة "فرانس برس" أن القتال أسفر عن مقتل أكثر من 140 مقاتلًا بين ظهر السبت وصباح الأحد. وقُتل أكثر من 300 مقاتل وعدد من المدنيين منذ أن بدأ الحوثيون هجومهم الخميس بهدف عزل مدينة المخا الساحلية الخاضعة لسيطرة الحكومة والتقدّم نحو باب المندب.