محمد دهشة

يوم الاعتصامات في صيدا: ثلاثة ترسم مشهدًا قاسيًا للحياة بين الإعتداءات والغلاء

5 دقائق للقراءة

ثلاثة اعتصامات في صيدا حملت عناوين وطنية ومعيشية، بعدما ضاق المواطنون ذرعًا بتراكم الأزمات التي أثقلت حياتهم، في وقت تتواصل فيه الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، ويسقط كل يوم ضحايا وجرحى، بينما يئنّ المواطنون تحت وطأة الأزمات المعيشية والاقتصادية المتلاحقة، وتراجع خدمات الدولة، لترسم هذه الأزمات مجتمعةً مشهدًا قاسيًا للحياة، يتأرجح بين دوّامة الموت والدمار من جهة، والغلاء وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة على تأمين أبسط مقومات العيش من جهة أخرى.

الاعتصام الأول نفّذه موظفون من الإدارات الرسمية في باحة سرايا صيدا الحكومي، تضامنًا مع زملائهم في النبطية الذين تضررت أماكن عملهم جراء الاعتداءات التي نفّذها العدو الإسرائيلي في محيط مبنى المالية، والذي يضم أيضًا مصلحة الزراعة، ما أدى إلى نقل وزارة المالية موظفيها إلى مالية صيدا لاستمرار تسيير معاملات قاصديها إلى حين استتباب الأوضاع.

وفيما أكّد المشاركون «أننا نتضامن اليوم مع زملائنا ومع أنفسنا، لأننا جميعًا في مركب واحد»، أوضح رئيس مصلحة الصناعة، الدكتور ذيب هاشم، «أن مرافق الدولة وإداراتها هي آخر مظهر من مظاهرها الذي يمثّل وجودها ووقوفها مع المواطن في الشدائد»، مطالبًا إياها بـ«الوقوف إلى جانب من يديرون هذه المرافق العامة، والعمل على تأمين الحد الأدنى من الاستقرار والأمن، ليستطيعوا مواصلة أداء مهمتهم لمساندة المواطن وتسهيل أموره

ودعا هاشم الدولة إلى الاستنفار والتحرك بكافة هيئاتها الدبلوماسية وباتجاه الأمم المتحدة في الخارج، لتذكير العالم بأن هناك قانونًا دوليًا إنسانيًا يجب تطبيقه، كذلك أن هناك معاهدة جنيف الرابعة، والتي تم وضعها عام 1949 لحماية المدنيين أثناء الحروب، ونحن نعيش هذا الواقع؛ مجازر ارتُكبت ولا تزال تُرتكب بحق المدنيين، لا سيما آخرها المجزرة التي وقعت في بلدة كفررمان، وأُبيدت عائلة بكامل أفرادها، واعتداءات العدو تقتل المواطنين الذين هم أناس عاديون، منهم موظفون أثناء توجههم إلى عملهم، وفلاحون يقصدون حقولهم، وآخرون في الشوارع"ز

وأضاف: "لم يعد مقبولًا أن يحصل ما يحصل وتبقى الدولة صامتة، وكأن ما يحدث هو في بلد آخر». مجددًا، «كل التضامن مع زملائنا والضحايا الذين يسقطون نتيجة الصمت العالمي عمّا يجري من حرب إبادة وجرائم ضد الإنسانية".


معمل النفايات

الاعتصام الثاني، نظّمه موظفو وعمال معمل معالجة النفايات الصلبة الحديث في صيدا أمام مبنى المعمل، احتجاجًا على عدم دفع رواتبهم ومستحقاتهم المالية منذ أشهر، في وقت لم تتسلّم فيه إدارة المعمل مستحقاتها المالية من وزارة المالية والجهات الرسمية المعنية منذ فترة طويلة، الأمر الذي أثقل كاهلها بالأعباء التشغيلية، ودفعها إلى دراسة خيار الإقفال مجددًا، إلى حين الإيفاء بوعود الدفع وتأمين الأموال اللازمة لاستمرار العمل.

لكنّ الموظفين والعمال رفضوا أن يكونوا الضحية العالقة بين الإدارة والدولة، وأن يتحوّل راتبهم إلى ورقة مؤجلة بين المراسلات والوعود. فالعامل الذي يخرج كل صباح إلى عمله لا يستطيع أن يؤجل جوع أسرته، ولا أن يطلب من صاحب الدكان الانتظار إلى أجل غير مسمّى، ولا أن يؤجل فاتورة الكهرباء أو الماء أو الدواء أو أجرة المنزل. الحياة لا تنتظر الرواتب المتأخرة، والأسعار لا تتوقف عن الارتفاع ريثما تُحلّ الأزمة.

ويئن الموظفظن والعمال تحت تحت وطأة الغلاء وارتفاع أسعار المواد الغذائية والحاجات الأساسية، حيث أصبحت الرواتب التي لا تُدفع في موعدها عبئًا إضافيًا على العمال والموظفين، بعدما فقدت قدرتها على مجاراة كلفة المعيشة حتى حين تُدفع. وما يزيد قسوة المشهد أن العامل لا يخسر أجره فحسب، بل يخسر معه قدرته على التخطيط لحياته، ويجد نفسه غارقًا في الديون والاستدانة، يشتري حاجاته الضرورية بالحساب، ويقسم ما تبقى من دخله بين طعام أسرته وأقساطها وطبابة أطفالها وفواتيرها، بينما تتسع الفجوة يومًا بعد يوم بين الراتب وكلفة الحياة.


انقطاع الكهرباء

أما الاعتصام الثالث، فقد دعا إليه ناشطون وعضو المجلس البلدي لمدينة صيدا وائل قصب، احتجاجًا على الانقطاع التام في التيار الكهربائي، حيث يتكبّد المواطنون عناءً يوميًا يفوق قدرتهم على الاحتمال، ولا سيما في فصل الصيف، حين ترتفع درجات الحرارة وتثقل الرطوبة الهواء، فتتحول البيوت إلى أماكن خانقة يصعب فيها النوم أو الراحة، ويتحول انقطاع الكهرباء إلى معاناة تلامس تفاصيل الحياة اليومية.

ولم يعد المواطن يواجه مشكلة انقطاع الكهرباء فحسب، بل وجد نفسه أمام كلفة أخرى لا تقل وطأة، تتمثل في ارتفاع أسعار اشتراكات المولدات الخاصة، التي أصبحت بالنسبة إلى كثير من العائلات فاتورةً جديدة تُضاف إلى سلسلة طويلة من المصاريف. وبين ارتفاع أسعار المواد الغذائية والدواء والمياه وسائر الحاجات الأساسية، تأتي فاتورة المولد لتقتطع جزءًا آخر من دخل الأسرة، حتى بات المواطن يحسب ساعات التغذية كما يحسب ما تبقى في جيبه من مال.

وهكذا يجد الناس أنفسهم أمام معادلة قاسية: لا يستطيعون الاستغناء عن الكهرباء بسبب الحرّ، ولا يستطيعون تحمّل كلفة الحصول عليها. أما أصحاب الرواتب المحدودة والعمال والموظفون الذين يعانون أصلًا من تراجع قدرتهم الشرائية وتأخر أجورهم، فيجدون أنفسهم محاصرين بين حرارة الصيف وارتفاع الأسعار، وبين الحاجة إلى الكهرباء والعجز عن دفع ثمنها.